عيدُ ميلادِ جُرح الجزء الأول
بلال حسان الحمداني
بذاكرتي الفولاذية -كما كنتِ تصفينها- تلك الذاكرة العصيّة على النسيان التي حفظت تواريخكِ، تفاصيل تفاصيلكِ، إيماءات جسدكِ، ولغة عيونكِ وهمساتكِ؛ كحفظِ درويشٍ لحلقة ذِكره، والتي دعوتِ عليها أنتِ يوماً أن تنسى كل سوءٍ منكِ ولا تُبقي سوى ذكريات الفرح معكِ.. لكنكِ نسيتِ أن الفرح والسعادة ربما يكونان غمامة صيفٍ سرعان ما تغيب، ولا يُحفر في دهاليز الذاكرة سوى الأحزان؛ فتأبى الذاكرة إلا أن يكون لها موعدٌ مع كل ذكرى موجعة، والتي أدعو الله لها بضربةٍ من ضربات الدهر تودي بها، فلا تظل تذكر منكِ شيئاً.
وكحالي اليوم معكِ، في الثالث والعشرين من شباط، حين رسمتِ طريق الفراق بأوجع ما يكون من قسوةٍ على قلبٍ أحبكِ بكل ما أوتي من نبضٍ ونفَس، أعطنكِ عطاءً لا حدود له، ووقفت معكِ في أتراحكِ قبل أفراحكِ، وبدموع عينيكِ البريئة قبل ضحكة ثغركِ، ولو لم يكن في كفّها سوى روحها لوهبتكِ إياها. والأهم من ذلك أنها غفرت لكِ عشرات المرات، وبعد كل فراقٍ كنتِ ترسمينه وتعودين كان القلب يفتح لكِ أبوابه من جديد.
لم يكن الفراق موجعاً بقدر ما كانت طريقتكِ القاسية التي أخجل أن أحدث بها نفسي، فكيف أبوح بها لقلمي؟ لقد كانت أياماً شقيتُ بها، ولم تكوني تعلمين بصراعي بين قلبي وعقلي وأنا أراكِ تذهبين وتغدين، وفي كل مرةٍ أضعفُ؛ لا لشيءٍ بل وفاءً للحب الذي كان، ولكي لا أندم يوماً من الأيام أني رددتكِ خائبةً وأغلقتُ بابي أمام وجهكِ، وجه البراءة الذي كنت تأتين به.
فحينما تجرأتُ أن أُقدم على هذه الخطوة التي -بصعوبتكِ وتَعنُّتكِ وتقلباتكِ وعدم ثباتكِ- كنتُ أخشاها، قلتُ لكِ: “إما وصالٌ أو فراقٌ ليس يليه إياب”. وظننتُ آنذاك، بعد مسيرة سنتين شقيتُ بهما، وتجرعتُ كأس المرارة، وخضتُ حرباً لم تبقِ في جسدي عضواً إلا وأنهكته، وتضحياتٍ وتنازلاتٍ، أن ألقى جزاء ما فعلتُ تقديراً، وأشعر أن المعركة كانت تستحق، وأنكِ كنتِ تستحقين، وأن الحب يستحق؛ فأرتاح من عناء حربٍ أنهكت قواي ورحلة سفرٍ أعيتني.
لكن هيهات! فكان هذا الفراق أشد مضاضة من أي فراقٍ سبقه، لا لشيءٍ إلا للطريقة. وقد كنتُ أحلم بنهايةٍ سعيدة معكِ، وحتى وإن كانت نهايتها الفراق، فليكن كما يليق بكل ما كان، وكنتُ أغني لكِ: “خلي الفراق أجمل فراق في دنية العاشقين”.
عيدُ ميلادِ جُرح الجزء الأول بقلم بلال حسان الحمداني






المزيد
القلم و الورقة بقلم عبدالرحمن غريب
شمس جديدة بقلم عبدالرحمن غريب
رمضان… ميزان القلب بقلم الكاتب هاني الميهى