مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

صمتها رسالة بقلم ميليا عبدالكريم

“صمتها رسالة”

ميليا عبدالكريم

 

 

 

في الزمن الذي تغرق فيه الكلمات،

يتحدث الصمت بلغةٍ لا يفهمها سواه.

تلك اللحظات التي نتقاسم فيها الحزن بلا صوت،

وكأن القلب يصرخ داخل الصدر،

لكن لا يخرج منه شيءٌ سوى هذا السكون العميق

الذي يروي كلّ شيءٍ دون أن ينطق.

 

في لحظةٍ كانت فيها عدسات الكاميرا تلاحق الهاربين من براثن الخيانة،

التقطت صورتها، كأنها الوحيدة التي لم تهرب،

بل واجهت كلّ شيءٍ بصمتٍ يشبه الكبرياء.

كانت تجلس في بقعةٍ من صحراءٍ قاحلة،

لم تعد تقوى على الحراك،

نظرت إليّ، وفي عينيها قصةٌ لم تُكتب،

وفي تجاعيد وجهها عمرٌ مضى

يلهث خلف لقمةٍ وأمانٍ لم يأتيا.

 

كلما قرّبتُ صورتها، شعرتُ بأنها تُحادثني دون أن تفتح فمها.

كانت كلماتها تخرج من عينيها، من هول ما رأت.

لم تقل شيئًا، لكن الدموع تحدّثت قبلها،

تسقط بصمتٍ، كأنها تكتب على التراب:

“هنا عاش إنسان.”

 

لم يكن صمتها هروبًا،

بل كان اختصارًا لكلّ ما عجزت عن قوله.

كانت دموعها آخر ما تبقّى من روحٍ أنهكها الوجع.

 

تلك العينان قالتا كلّ شيء،

وكان صمتها أبلغ رسالةٍ تصل إلى القلوب،

ودموعها جسّدت معاناتها في أصدق شكل.

فالصمت هنا لم يكن غيابًا للكلام،

بل حضورًا طاغيًا للوجع،

وملاذًا أخيرًا حين لم تعد هناك لغةٌ تليقُ بالألم.