سلسلة فلسفة الاشياء الصامتة بقلم سميرة السوهاجي
الجزء الاخير
البيت… الصامت ودفء العائلة
البيت…
هو المكان الوحيد الذي لا يقف على جدرانه فقط،
بل يقف على قلب أم، وكتف أب، ولمّة إخوة، وأثر كل من أحببناهم.
البيت صامت…
لكن في داخله أصوات لا تتوقف:
صوت ضحكة كانت تخص الأم،
صوت خطوات الأب وهو يعود متعبًا،
وصوت الإخوة وهم يصنعون فوضى جميلة كانت أكبر من الجدران نفسها.
البيت هو أول حضن عرفه الإنسان،
ليس لأنه مكان…
بل لأنه كان الأم قبل أي شيء.
هي التي أعطته رائحته الأولى،
هي التي جعلت جدرانه دافئة،
هي التي صنعت المعنى كله قبل أن تُبنى أي غرفة.
الأم هي روح البيت.
وحين تضيء وجهها بابتسامة عند العودة،
يشعر الإنسان أنه عاد إلى حياته كلها،
لا إلى مكان ينام فيه فقط.
والأب…
ذلك العمود الذي يثبت البيت من الداخل،
حتى لو لم ينتبه أحد.
نبرته في الممر،
ووجوده الصامت في الليل،
هو أمانٌ لا تُفسّره الكلمات.
والإخوة…
ضحكاتهم، مشاجراتهم الصغيرة، أسرارهم،
كل ذلك يُكتب على جدران البيت مثل خطوط العمر.
وحين نكبر ونتفرّق،
تبقى الجدران كأنها تحمل الأصوات جميعها،
وتعيدها لنا كلما عدنا.
ولهذا يعود الإنسان إلى بيته القديم ليس لأنه جميل أو واسع،
بل لأنه يحمل من الروح أكثر مما تحمل المدن كلها.
لأنه مكان ما زالت فيه رائحة الأم،
وصدى حنان الأب،
وأثر أقدام الطفولة.
وحين نقول: “اشتقت للبيت”،
فإننا نقصد شيئًا أعمق بكثير…
نقصد كل هؤلاء،
نقصد كل ما لم يعد موجودًا كما كان،
ونقصد الذكريات التي تتجمع في لحظة واحدة حين نلمس الجدار،
فنسمع في صمته صوتًا يقول:
“أهلاً… لقد تأخرت، لكنك هنا الآن.”
البيت ليس جدرانًا…
بل هو الذاكرة التي لا تموت،
والحياة التي تتجدد في كل عودة،
والصامت الذي يبقى دائمًا
أقرب من أي كلام، وأصدق من أي إنسان.






المزيد
القلم و الورقة بقلم عبدالرحمن غريب
شمس جديدة بقلم عبدالرحمن غريب
رمضان… ميزان القلب بقلم الكاتب هاني الميهى