مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

سلام نفسي مزيف

بقلم الدكتورة/اسلام محمد
استشارية الصحه النفسيه والإرشاد الاسري والزواجي ودكتوراه في التنميه البشريه وتطوير الذات وصاحبه كتابي (البحث عن الذات و كتاب طوظ)

يبحث الإنسان دائمًا عن السلام الداخلي، ذلك الشعور العميق بالطمأنينة والاتزان والراحة. غير أنّ كثيرين في هذا العصر يعيشون ما يمكن تسميته بـ “السلام النفسي المزيّف”؛ حالة من الهدوء الظاهري لا تمتّ للحقيقة بصلة، إذ تخفي خلفها اضطرابًا داخليًا كبيرًا، وصراعات نفسية يعجز الإنسان عن مواجهتها.

السلام المزيف ليس هدوءًا حقيقيًا، بل هو هدوء مصنوع، يبنيه صاحبه من أجل الهروب من مواجهة نفسه أو مواجهة الآخرين. قد يبدو الشخص متماسكًا، هادئًا، مبتسمًا، بل ويؤكد للجميع أنّ الأمور تحت السيطرة، لكنه من داخله يعيش صراعًا مرهقًا، يخشى الاعتراف به، أو يخاف من ثقل تبعاته.

أحد أبرز مظاهر السلام المزيّف هو تجنّب المواجهة. فهناك من يختار الصمت في كل خلاف، ليس لأنه حكيم أو متسامٍ، بل لأنه يخاف من التعبير عن احتياجاته أو خوفًا من خسارة الآخرين. فيبتلع غضبه، ويكتم حزنه، ويُخفي جراحه، ويقول لنفسه ولمن حوله: “أنا بخير”. ولكن الحقيقة أنّ تراكم ما يخفيه قد يتحوّل مع الوقت إلى ألم أعمق، وانفجار مؤجّل.

وهناك نوع آخر يشعر بالسلام المزيف حين يتجاهل مشاعره تمامًا، فيتعامل معها وكأنها غير موجودة. يمرّ بالأزمات وكأن شيئًا لم يحدث، لا يسمح لنفسه بالبكاء، ولا بالاعتراف بالخوف، ولا بالضعف. يظن أنّ التماسك المستمر قوة، بينما هو في الحقيقة إنكار يبعده عن ذاته أكثر فأكثر.

كما أنّ بعض الأشخاص يظنون أنهم وصلوا إلى السلام حين يبتعدون عن الجميع، ويعزلون أنفسهم تحت شعار الراحة، بينما هم في الحقيقة يهربون من العلاقات، من المواجهة، ومن ترميم ما كُسر. العزلة هنا ليست علاجًا، بل جدارًا يخفي خلفه هشاشة داخلية عميقة.

السلام النفسي الحقيقي لا يشبه هذا الهدوء المصنوع. فهو لا يعتمد على الهروب، ولا على الإنكار، ولا على كتمان الوجع. السلام الحقيقي يتطلب مواجهة صادقة مع الذات، وفهمًا حقيقيًا للمشاعر، وقدرة على التعبير دون خوف، وحدودًا واضحة مع الآخرين، ومرونة تحمي القلب دون أن تجمّده.

فالإنسان لا يصل إلى الاتزان النفسي حين يخفي مشاعره، بل حين يفهمها. ولا يجد الطمأنينة حين يكتم غضبه، بل حين يعالجه. ولا يشفى حين يهجر العالم، بل حين يتصالح مع جروحه، ويتعلم أن يقول: “تعبت… وأحتاج أن أعتني بنفسي.”

إن كشف السلام المزيف هو أول خطوة للوصول إلى السلام الحقيقي.
ذلك السلام الذي لا يختفي عند أول صدمة، ولا يتبعثر مع أول كلمة، لأنه ليس قناعًا… بل حقيقة نابعة من الداخل.