الفصل الثاني
حين نبحث عن السبب الخطأ
اسم الكتاب:
﴿رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
اسم الكاتب:
هاني الميهى
بعد أن يسقط وهم أن الألم هو المشكلة،
لا يهدأ العقل سريعًا..
يبدأ في البحث عن سبب،
ليس بدافع الفهم،
بل بدافع الاستقرار.
العقل لا يحتمل الفراغ طويلًا،
وحين يعجز عن تفسيرٍ ناضج،
يلجأ إلى تفسيرٍ مريح.
حتى لو كان ناقصًا،
أو مختزلًا،
أو بعيدًا عن جوهر ما يحدث.
في هذه المرحلة،
لا يكون الخطر في الألم ذاته،
بل في السبب الذي نختاره لنصدّقه.
كثيرون يظنون أن إيجاد السبب
يعني امتلاك السيطرة،
لكن ما يحدث غالبًا
أن السبب الخاطئ
يمنح وهم الفهم
ويؤجل المواجهة الحقيقية.
في الواقع العملي،
كم من مؤسسة انهارت
لأنها فسّرت أزمتها تفسيرًا سطحيًا؟
سوق متقلّب،
موظف مقصّر،
قرار حكومي مفاجئ.
أسباب قد تكون صحيحة جزئيًا،
لكنها ليست الجذر.
وحين يُعالج العرض،
ويبقى الخلل البنيوي،
تتكرّر الأزمة بصورة أعنف.
كذلك الإنسان أمام الضرّ.
يبحث عن تفسير واحد،
ويعلّق عليه كل شيء.
خطأ ارتكبه،
شخص ظلمه،
قرار استعجله.
وقد يكون كل ذلك موجودًا،
لكن الألم أعمق من سبب واحد.
أيوب لم يُستنزف
لأنه لم يعرف السبب،
بل لأنه كان محاطًا
بمن يقدّمون له أسبابًا جاهزة.
أسباب تُريحه مؤقتًا،
لكنها تُغلق باب الفهم الحقيقي.
البحث عن السبب الخطأ
يمنحك شعورًا زائفًا بالتحكّم،
لكنه في العمق
يُبقيك في الدائرة نفسها.
حين تُقنع نفسك
أن المشكلة في عامل واحد،
تُعفي بقية النظام من المراجعة.
وحين تُعفي النظام من المراجعة،
تحكم على الألم أن يطول.
في النفس،
التفسير السريع يُخفّف القلق،
لكنه لا يبني وعيًا.
وفي الإدارة،
القرار السريع قد يُرضي اللحظة،
لكنه يُربك المسار.
الضرّ لا يسأل:
من المخطئ؟
بل يسأل:
ما الذي لم يعد صالحًا للاستمرار؟
فارق دقيق،
لكنه حاسم.
السؤال الأول
ينتهي بإدانة.
السؤال الثاني
يفتح باب التحوّل.
كثيرون يفضّلون الإدانة،
لأنها أوضح،
وأقلّ تكلفة نفسيًا.
أما التحوّل،
فيتطلّب شجاعة
واعترافًا بأن بعض ما كنا نراه صوابًا
لم يعد كذلك.
السبب الخاطئ
يُريح الكبرياء،
لكن السبب العميق
يُربك الهوية.
وهنا تظهر الرحمة مرة أخرى،
لا بوصفها إزالة للألم،
بل بوصفها حماية من التضليل الداخلي.
أن تُترك دون إجابة نهائية،
خير من أن تُمنح إجابة ناقصة
تُقيدك.
في بيئات القيادة،
القائد الناضج
لا يتعجّل التفسير،
ولا يُسارع إلى تحميل المسؤولية،
بل يوسّع زاوية الرؤية
حتى لو كان الثمن
بطئًا مؤلمًا.
كذلك الإنسان أمام الضرّ.
النضج هنا
أن تتحمّل الغموض
دون أن تزوّر المعنى.
ليس كل ما يحدث
يحتاج سببًا مباشرًا،
بعض ما يحدث
يحتاج إعادة ترتيب شاملة،
لا يختزلها تفسير واحد.
أيوب لم يقل: هذا بسبب كذا،
ولا علّق خلاصه
على تفسير بعينه.
ترك الباب مفتوحًا للفهم،
ولم يُغلقه براحة زائفة.
وهذا هو الفارق
بين من يخرج من الألم واعيًا،
ومن يخرج منه
محملًا بتفسيرات تمنعه من التقدّم.
رسالة الفصل الثاني
التفسير السريع قد يُسكِت الألم،
لكن الفهم العميق وحده
يمنعه من التكرار.
تمهيد الفصل القادم
بعد أن يفشل السبب المريح في احتواء الألم،
ينتقل الإنسان إلى مرحلة أخطر:
محاولة السيطرة بدل الفهم.
#ربإنيمسنيالضر
#وأنتأرحمالراحمين
#هانيالميهى
#إدارةالوعي
#قيادةالذات
#الصبركنظام
#الرحمةالواعية






المزيد
عشق دموي بقلم صافيناز عمر
حين تُخذل رغباتنا… تتجلّى الحكمة/بقلم خيرة عبدالكريم
قلب على الهامش بقلم / فتحى عبدالحميد