الفصل الأول
حين لا يكون الألم هو المشكلة
اسم الكتاب:
﴿رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
اسم الكاتب:
هاني الميهى
لا يبدأ الألم حين تتعطّل الأشياء،
بل حين تفشل التفسيرات القديمة في احتواء ما يحدث.
في هذه المرحلة،.
لا يكون الوجع جسديًا ولا نفسيًا فقط،
بل إداريًا بالمعنى العميق للكلمة.
كأن حياتك كانت تُدار بنموذج نجح طويلًا،
ثم فجأة،
توقّف عن إعطاء النتائج نفسها.
المشكلة هنا ليست في الحدث،
بل في أن العقل يصرّ على استخدام الأدوات ذاتها
التي لم تعد صالحة.
في الواقع العملي،
كثير من القادة ينهارون لا بسبب الأزمة،
بل بسبب إصرارهم على إدارتها
بعقلية زمن انتهى.
يظنون أن زيادة الضغط تحلّ المشكلة،
أو أن السرعة تعوّض غياب الرؤية،
أو أن السيطرة المفرطة
تحميهم من الخسارة.
وهذا هو الخطأ نفسه
الذي يقع فيه الإنسان أمام الضرّ.
حين يشتد الألم،
يميل العقل إلى التكثيف لا إلى المراجعة،
إلى الدفاع لا إلى الفهم،
إلى التمسك لا إلى إعادة الترتيب.
أيوب لم يفعل ذلك.
لم يحاول إدارة الضرّ
بعقلية النعمة.
ولم يطالب الحياة
أن تعود كما كانت.
كان يدرك، بوعي عميق لا بصوت مرتفع،
أن المرحلة تغيّرت،
وأن أدوات المرحلة السابقة
لن تُنقذه الآن.
الألم هنا يتحوّل من حدث
إلى اختبار نضج.
هل تستطيع أن تعيش
دون أن تملك تفسيرًا كاملًا؟
هل تستطيع أن تستمر
وأنت لا ترى الصورة النهائية؟
هل تستطيع أن تثق
وأنت مجرّد من أسباب الطمأنينة المعتادة؟
في النفس،
من لم يتعلّم إدارة القلق،
سيفسّر كل ألم على أنه تهديد وجودي.
وفي الإدارة،
من لم يتعلّم إدارة الغموض،
سيفسّر كل أزمة على أنها نهاية محتومة.
الضرّ لا يقول لك: انتهيت.
الضرّ يقول:
توقّف عن إدارة حياتك كأنها مضمونة.
وهنا يظهر الفارق الدقيق
بين الصبر الواعي والصبر المستنزِف.
الصبر المستنزِف
هو أن تتحمّل الألم
وأنت تحلم فقط بزواله.
أما الصبر الواعي
فهو أن تتحمّل الألم
وأنت تعيد بناء الداخل
ليكون صالحًا لما بعده.
أيوب لم يكن صامتًا من فراغ،
كان صمته ترتيبًا داخليًا.
لم يكن استسلامًا،
بل تعليقًا واعيًا للأحكام
إلى أن تتضح الرؤية.
في بيئات العمل،
القائد الناضج هو من يعرف
متى يتخذ القرار،
ومتى يؤجّله،
ومتى يعترف بأن الصورة ناقصة
وأن التسرّع سيضاعف الخسارة.
كذلك الإنسان أمام الضرّ.
أخطر قرار يمكن أن يتخذه
هو أن يتصرّف
وكأن شيئًا لم يتغيّر.
الألم لا يطلب منك أن تكون قويًا،
بل أن تكون صادقًا مع نفسك.
أن تعترف بأن بعض ما كنت تعتمد عليه
لم يعد موجودًا،
وبأنك تحتاج إعادة تعريف ذاتك
دون هذه الدعائم.
الرحمة في هذا الموضع
لا تُقاس بسرعة الفرج،
بل بعمق الحماية الداخلية.
أن تمرّ بالعاصفة
دون أن تفقد اتجاهك،
ودون أن يتحوّل الألم
إلى غضب أعمى أو يأس صامت.
كثيرون يخرجون من الألم،
لكنهم يخرجون مشوّهين.
قساة،
مرتابين،
فاقدين للثقة.
وهذا ليس نجاة،
بل بقاء بلا حياة.
النجاة الحقيقية
أن تخرج من الضرّ
وأنت أكثر وعيًا بحدودك،
أصدق مع ضعفك،
وأقلّ تعلّقًا
بما لا يدوم.
وهنا تتجلّى الرحمة
في أعمق صورها:
أن يُسمح للألم أن يهدم
ما كان سيهدمك لاحقًا،
وأن يُمنح لك الوقت
لتعيد بناء الداخل
على أساس أصلب.
ليس كل ألم عدوًّا،
ولا كل خسارة شرًّا خالصًا.
بعض الخسارات
تأتي لتُنقذك
من نجاح لم تكن مستعدًا لإدارته،
أو من استقرار هش
كان سينهار عند أول اختبار أعنف.
رسالة الفصل الأول
الألم مرحلة كشف لا مرحلة إعدام،
ومن يحسن إدارة داخله فيها
يخرج أقلّ تعلقًا…
وأكثر ثباتًا.
تمهيد الفصل القادم
بعد أن يعجز الإنسان عن تفسير الألم بوصفه مشكلة،
يبدأ في البحث عن سبب يحمّله المسؤولية…
ولو كان سببًا مريحًا لا صحيحًا.
#ربإنيمسنيالضر
#وأنتأرحمالراحمين
#هانيالميهى
#إدارةالألم
#قيادةالذات
#الصبرالواعي
#الرحمةكنظام






المزيد
حين تُخذل رغباتنا… تتجلّى الحكمة/بقلم خيرة عبدالكريم
قلب على الهامش بقلم / فتحى عبدالحميد
لحن الخذلان بقلم مريم عبدالعظيم سيد