مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ذكريات على طريق العودة: بقلم :سعاد الصادق

ذكريات على طريق العودة
بقلم :سعاد الصادق

 

(قصة قصيرة)
أحيانًا لا يعيدنا الطريق إلى المكان، بل إلى أنفسنا التي تركناها هناك….

عادت أمل بعد رحلة غياب طويلة بين العواصم الغربية، بحكم عمل زوجها في التجارة والاستيراد والتصدير. عادت بعقل منفتح وفكر متطور، ورغم ما رأته من جمال وتقدّم يخطف الأبصار، بقي بداخلها حنين خفيّ إلى مسقط رأسها، إلى التراب الأول، إلى القرية التي تركتها خلفها قبل خمسة وعشرين عامًا.

وفي طريق العودة كانت الذاكرة تعرف
طريقها لم تبرح مكانها قط.هاهو الطريق
يعلوه التراب
يعرف خطواتها القديمة. النخيل يلوّح بذراعيه كمن يتعرّف على الغريب العائد، الجداول تعكس وجه السماء بلطف مرآة صافية، ونسيم الفجر بارد يوقظ الذاكرة كما توقظ الأم طفلها النائم.
فرح اللقاء يطرق القلب، وفى المقابل ينهض وجع قديم… وجع طفلة لم تُمنح طفولتها كما يجب.

هناك — على امتداد الطريق — لمحت أمل طفلة صغيرة.
وجه مشرق بريء، لكنه يحمل ظلّ حزن خفيف.
عينان واسعتان لامعتان من البرد والحياة.
كانت تسوق أمامها قطيع أغنام، تنفخ في يديها من شدّة الصقيع، خطواتها سريعة على ندى الصباح، تتدلّى خصلات شعرها الناعم على وجهها لأن الوقت لم يُسعفها لتمشيطه كما يجب.
ثياب شتوية بالية، حجاب غير مرتب ، وبراءة خام لم تستهلك بعد بالعمر ولا بالخيبات.

طلبت أمل من زوجها إيقاف السيارة. نزلت وحدها، وكأن الزمن انحنى على ركبتيه معها. حدّقت بالصغيرة طويلاً، مدت يدها تتحسس وجهها كما لو أنها تلامس أجزاء من نفسها ضاعت مع السنين.

سألتها بصوت خافت:
ما اسمك يا صغيرتي؟
فأجابت كنسمةٍ دافئة عند الفجر:
ورد..

ارتعشت الكلمة في قلب أمل.
كأن طفلتها القديمة نهضت من تحت الركام للحظة.ثم قالت بل أمل الصغيرة التى تركتُها
منذو وخمسة وعشرين عاما هاهنا

لم تفهم الصغيرة. ماقالته أمل ؟!

لكنها ابتسمت وقالت معتذرة:
معذرة سيدتي… يجب أن أوصل الغنم لأبي ثم أعود سريعًا، فالمدرسة تنتظرني.

توقفت الأرض.
الزمن كله انكمش في تلك الجملة القصيرة.

هذه ليست أمل التي كانت قبل خمسة وعشرين عامًا.ذات الحذاء البلستكى والحجاب الصوف تمضى كل صباح بالاغنام
الى الحقل بدل ماتمضى إلى المدرسة. وهى
تنظر إلى اقارنها وهم يحملون حقائبهم المدرسية وتتمنى لو كانت بينهم…

هذه طفلة تملك فرصة… تملك غدًا لم تملكه أمل أبدًا.

لقد كان زمان أمل ملبّدًا بالضباب والغيوم،
لكن ورد جاءت كربيعٍ جديد،
بعطرٍ لا يحمل وجع الأمس بل وعد الغد.

عادت أمل نحو السيارة ببطء، كمن يمشي فوق ذاكرة لا فوق تراب…..وعيناها تراقب
الصغيرة وهى تذوب بين الأشجار. ذهبت
وبقى عبيرها بالمكان….
ابتسمت، امل لا حزنًا ولا فرحًا، بل تصالحًا.
وقالت في سرّها، كمن يضع جرحًا قديمًا أخيرًا في مكانه الصحيح:

الزمان لم يعد زمان…
لكنّه ليس بلا أمل.