مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

دفنٌ بعد دفن، وجنازةٌ وراء أخرى للكاتب عمرو سمير شعيب 

دفنٌ بعد دفن، وجنازةٌ وراء أخرى للكاتب عمرو سمير شعيب

 

كأن الزمن نفسه فقد ذاكرته، فأصبح يطيح بالبشر واحدًا تلو الآخر، دون أن يتوقف ليسأل: من التالي؟

ثقلُ التراب لم يعد يخصّ الميت وحده، بل صار يمتد إلينا نحن الأحياء، كأنه يذكّرنا بأن الجزء الأعظم من موتنا يبدأ قبل أن نغادر الحياة.

 

نحن نمشي خلف النعوش ظانّين أننا نودّع الآخرين، بينما الحقيقة أننا — في كل مرة — نعين على دفن شيء منّا.

اللحظة التي نرى فيها الجسد المسجّى ليست لحظة خوف من النهاية، بل لحظة وعي بأننا مشروع نهاية مؤجّلة؛ أن الدور ليس “إن” بل “متى” فقط.

 

وحين يخطر في بالك: ماذا لو كنتُ أنا القادم؟

فهذا ليس سؤال النجاة، بل سؤال المعنى:

ما الذي يبقى من الإنسان بعد أن يسقط اسمه من النداء اليومي للحياة؟

هل يظل أثره أم يتبخر في صمت العالم كما تبخرت خطوات الذين سبقوه؟

 

إن التفكير في “الخاتمة” ليس خوفًا من الموت، بل محاولة لفهم الصورة الأخيرة التي سيتركها وجودنا في ذاكرة الزمن.

ليس لأننا نرجو خاتمة حسنة بمعناها الديني، بل لأننا نبحث — بإصرار غريب — عن طريقة لا يتحول فيها رحيلنا إلى حدث عابر، إلى جنازة أخرى تضاف إلى إحصاءات الفناء.

 

هكذا يصبح كل دفنٍ درسًا صامتًا:

أن الحياة لا تُقاس بطولها بل بعمقها،

وأن النهاية ليست لحظة موت، بل لحظة اكتمال المعنى.

 

وما نخشاه ليس التراب، بل ألا يكون لرحلتنا وزنٌ كافٍ ليترك انحناءة صغيرة في ذاكرة الوجود.