بقلم / خالد محمد شعبان
يعتقد كثير من الناس في العالم العربي أن العمل الجماعي أمرٌ لا طائل من ورائه، ويرون أن الأفضل للفرد أن يعمل بمفرده أو يجد وسيلة لإجبار شركائه على تبني أسلوبه وفلسفته الخاصة، ويعود هذا التوجه بالدرجة الأولى إلى النزعة الفردية التي كرستها المدنية الحديثة، حيث باتت تقدس الفرد على حساب المجموعة وتنسب الإنجازات العظيمة لأشخاص بعينهم متجاهلةً كل من ساهموا في تحقيق ذلك النجاح.
على سبيل المثال حين تنجح شركة ما يُنسب الفضل كله إلى المدير التنفيذي (CEO) رغم أنه لن يتمكن بمفرده من إدراك ذلك النجاح، لكن حضارتنا المعاصرة دؤوبة في بحثها عن “البطل الفرد” لتتويجه؛ وينطبق هذا على السينما في النجم وفنون الطهو في الشيف وحتى على مستوى الدول في الرؤساء والحروب في القادة، فالبطل في القصة هو من يحصد الثناء دائمًا وقد يبدو هذا الأمر طبيعيًا في الظاهر لكنه في الواقع يفتقر إلى الدقة والموضوعية.
إن هذه النظرة القاصرة تحصر النجاح في جهد شخص واحد وتتجاهل مئات الجهود الأخرى التي تشكل الركيزة الأساسية للإنجاز، فالمخرج البارع لا قيمة لعمله دون كاتب سيناريو مبدع ومدير تصوير محترف وممثلين قديرين؛ بل إن المسؤولين عن الأزياء والتجميل يؤدون دورًا محوريًا في نجاح العمل.
وقد سمعنا عن أعمال تاريخية كبرى تعرضت للسخرية بسبب خطأ في “إكسسوارات” لا تنتمي للعصر المصوّر، مما يؤكد بوضوح أن الإنجازات العظيمة هي نتاج أعمال جماعية تقوم بها فرق متخصصة باحترافية، وأن العمل الجماعي هو السبيل الوحيد لبلوغ الغايات الكبرى بينما تظل الفردية عاجزة عن الوصول إلى نتائج مستدامة.
إلا أن النظرة الملحمية لقصص النجاح تجعلنا نتوهم أن الأبطال هم أصحاب الفضل في كل شيء ونصدق أنهم أحاطوا بكل التفاصيل وهذا تصور خيالي تمامًا؛ فمن الممكن أن تكون عالم ذرة نابغًا وتظل زوجتك أكثر دراية منك بشراء مستلزمات المنزل لأنك ببساطة لا تلتفت لتلك التفاصيل، رغم أن جودة الغذاء الذي تتناوله لا تقل أهمية عن أبحاثك العلمية لكونها تؤثر مباشرة على صحتك وأدائك العقلي.
إن تقديس صاحب الإنجاز ونسب الفضل إليه وحده يساهم في خلق معتقد مغلوط في عقول الشباب مفاده: “إذا أردت النجاح فعليك بالوحدة فالرحلة فردية والطريق بلا رفقة” وهي أفكار براقة لكنها تفتقر للصحة، فلو أمعنت النظر في قصص الناجحين جميعًا لوجدت أنهم تلقوا دعمًا جوهريًا في مرحلة ما سواء قدّروا ذلك الدعم أم أنكروه.
فمؤسس “فيسبوك” مثلًا شارك أصدقاءه في فكرته للحصول على التمويل واستعان بفريق من المهندسين الأكفاء لتطوير المنصة؛ لذا فإن “مارك” لم يصنع الإمبراطورية وحده، بل استلهم الفكرة من زميل وموّلها من آخر وطورها بجهود محترفين، إذ إنه عمل جماعي متقن ولو رُفضت مساندته منذ البداية لربما كنا اليوم حبيسي منصة واحدة بلا بدائل.
إن هذا المعتقد الخاطئ يصعّب على الطموحين الانخراط في فرق العمل لأنه يجردهم من مهارة “التقبل”؛ ولا أعني بالتقبل هنا الخنوع بل استيعاب فلسفة العمل الجماعي واحترام تخصصات الآخرين، ولكي يتحقق ذلك يجب أن يتمتع الفرد بمرونة نفسية تؤهله لتقبل العناصر التالية:
أولاً: العقد والاتفاق
لا بد لأي فريق من ميثاق ينظم الحقوق والواجبات لضمان عدم الجور أو التقصير، وأهم خطوة في العمل الجماعي هي احترام الاتفاق المبرم سواء كان مكتوبًا أو ضمنيًا، ومن المفارقات أن أغلب النزاعات تنشأ من عدم احترام هذه الاتفاقيات؛ ففي البداية يظهر الجميع مثالية وحماسًا ومع ظهور ضغوط العمل يحاول البعض الانسحاب أو التراخي، وهذا نتاج رفض مبطن للالتزامات منذ البداية لذا فإن احترام “عقد الفريق” شرط أساسي للاستمرار.
ثانياً: الدور والتخصص
داخل الفريق يمتلك كل فرد دورًا محددًا يؤديه بأسلوبه الخاص ولا يجوز لغيره التدخل في عمله دون مبرر، فتداخل الصلاحيات هو السبب الرئيس لفشل التحالفات؛ ففي صناعة الأفلام مثلاً يحق للمخرج الإشراف على الجميع، لكن لا يحق للممثل توجيه المصور ولا لمدير التصوير التدخل في المونتاج فاحترام التخصص يمنع نشوب الصراعات.
ثالثاً: الاختلاف والتمايز
من الطبيعي تفاوت طرق العمل والقدرة على الإبداع والتحمل بين الأعضاء ويجب تقبل الفرد بمزاياه وعيوبه والإيمان بأن هذا التنوع هو الوقود الذي يدفع الفريق للأمام، فالتركيز على الاختلافات بمنظور سلبي يولد الغيرة بينما احترامها يصنع أعمالاً استثنائية فالمبدعون غالبًا ما يكونون غريبي أطوار.
رابعاً: الخطأ
يعد تقبل الخطأ من أصعب الأمور فالبعض يراه مثالية زائدة رغم أنه اعتراف أصيل بالنقص البشري فتقبل الخطأ لا يعني تجاهله بل فهم أبعاده والتعلم منه، إذ إن سياسة “منع الأخطاء” القمعية تؤدي إلى إخفائها وتراكمها مما يقود في النهاية إلى الفشل الذريع فإذا كنا لا نتقبل أخطاء أنفسنا فكيف سنحتمل أخطاء الآخرين؟
خامساً: التنسيق
رغم التفاهم قد تبرز عقبات تتطلب قنوات تواصل واضحة لحل الخلافات، فالتنسيق الجيد كإدارة الاجتماعات وآلية استقبال الشكاوى والتعامل مع الأعذار هو ما يضمن استدامة الفريق وتحسين أدائه.
سادساً: النتائج
عبارات مثل “جيد ولكن يوجد الأفضل” قد تبدو مرنة وتحفيزية في ظاهرها لكنها أحيانًا تكون سامة ومحبطة فالبشر يختلفون في دوافعهم؛ فمنهم من يحفزه التقدير المعنوي، ومنهم من يهمه العائد المادي لذا يجب تقييم النتائج تقييمًا عادلاً يراعي جهود الفريق لتجنب الانهيار وفقدان الثقة بالقيادة.
سابعاً: الآراء
يعد تقبل الرأي المخالف من أصعب التحديات الإنسانية ومن المهم مراعاة مشاعر الأعضاء وفتح باب النقاش؛ فاستبداد الرأي وتهميش الآخرين يؤدي حتمًا إلى تفكك الروابط وفشل المهمة.
ثامناً: القائد
تظهر المشكلات حين تتحول القيادة إلى صراع على السلطة أو ممارسة للتعالي، وما أسميه “فجوة السلطة” يحدث حين يفقد القائد قدرته على التواصل الفعال فيلجأ لأساليب بدائية كالتسلط أو الابتزاز النفسي، أما النجاح الحقيقي فينبع من الاحترام والمحبة المتبادلة بين القائد وفريقه، تمامًا كما نرى في فرق كرة القدم التي تستميت في الملعب من أجل مدرب تحبه.
تاسعاً: المستشار
يجب أن يحظى كل فريق بشخص يتفرغ للتحليل والتفكير في المسار المستقبلي لأن القائد لا يملك الصورة كاملة دائمًا، لذا وجب الانتباه لرؤية المستشار الذي يستشرف التحديات ويبصر الفرص فتجاهل هذا الدور هو نوع من الجهل الذي يؤدي للوقوع في أزمات كان يمكن تلافيها.
لهذا كله أقول إن نجاح أي فريق مرهون بتقبل أعضائه لذواتهم وبعضهم البعض مع مراعاة هذه المبادئ، فأي نزعة فردية أو أنانية داخل هذا الكيان ستؤدي إلى إفساده، ولقد وجد الفريق ليعمل ككتلة واحدة لا لينسب الفضل لشخص بعينه؛ لذا حين نمتدح فيلمًا ناجحًا ينبغي أن ننسب الفضل للاستوديو ككيان متكامل، مثل “استوديوهات بيكسار” التي أبدعت في الرسوم المتحركة لأن كوادرها عملت كوحدة متناغمة وهذه هي النظرة الموضوعية والمستنيرة لعمل الفريق.






المزيد
الزمن الكاذب
صورةُ الإنسان في مرآةِ الآخرين
الشاهد الوحيد