مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين يكون البُعد أصدق بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر 

حين يكون البُعد أصدق بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر

 

تسألني كيف يحلو لك الوداع؟ فأجيبك: حين يكون البُعدُ أبقى من اللقاء، وحين يصير الفراق أغلى من الوصال. أرأيتَ كيف يُعلّمنا الربيع فنّ الانفصال حين يُساقط أوراقه الذهبية ليخلق من تلقاء نفسه ربيعًا جديدًا؟ وكيف يُلقي البحر بأمواجه على الشاطئ كي تعود إليه أنقى مما كانت؟ إنّ في التخلّي حكمةً إلهية لا يدركها إلا من ألقى بقلبه في اليمّ فعاد إليه مكلّلًا باللآلئ،

وحين نُودّع، لا نُغلق الحكاية بقدر ما نُعيد ترتيبها في ذاكرتنا، نمنحها مكانًا يليق بما كانت عليه لا بما انتهت إليه. فليس كل رحيلٍ خيانة، ولا كل بقاءٍ وفاء؛ بعض القلوب خُلقت لتُحبّ ثم تمضي، كأنها جاءت لتُعلّمنا درسًا وتمتحن قدرتنا على الفهم.

إنّ الأشياء التي نتركها خلفنا لا تضيع، بل تتحوّل: تصير حكمةً في الصدر، وهدوءًا في الروح، وندبةً جميلة تُذكّرنا أنّنا عشنا بصدق. وما أثقل القلب إلا التعلّق بما انتهى، وما أرحمه إلا أن يعرف متى يضع حمله وينصرف،

فالوداع الجميل ليس أن نكفّ عن الحب، بل أن نُحسن حفظه من التآكل، أن نتركه في أجمل صورة قبل أن تُشوّهه الخيبات. وهكذا نمضي، لا مكسورين ولا منتصرين، بل أنقى… كمن فهم أخيرًا أنّ بعض الطرق لا تُكمل بنا، لكنها تُكملنا.