حين يقترب الهلال
الكاتب عمرو سمير شعيب
قبل أن يُعلن الهلال نفسه في السماء، يكون قد أعلن حضوره في القلوب.
ثمة شيء خفيّ يبدأ بالتحرّك في الداخل… كأن الروح ترتّب غرفها، وتفتح النوافذ التي أغلقتها شهور التعب، وتكنس عن نفسها غبار الأيام الثقيلة. هكذا يأتي رمضان: لا كزائر عابر، بل كحالةٍ من الاستعداد الجميل.
في البيوت، لا تُضاء المصابيح فقط، بل تُضاء الذكريات.
تعود أصواتٌ قديمة إلى المائدة، وجوهٌ غابت تستعاد بالدعاء، وأحاديث كانت تتكرر كل عام لكنها لا تشيخ. كأن الزمن في رمضان يتعلّم طقسًا خاصًا: أن يعود، لا أن يمضي.
الاحتفال برمضان ليس زينةً على الجدران، بل زينةٌ في المعنى.
أن تفرح لأن لك فرصةً جديدة كي تصالح نفسك، كي تؤجل قسوة العالم قليلًا، وتمد يدك إلى الداخل: هل ما زال فيك متّسع للنور؟
ورمضان يجيبك بلا كلمات: نعم… ما دمت تشعر بقدومه، فالنور لم يغادر.
في الشوارع، يعلّق الناس الفوانيس، لكن الأجمل أنهم يعلّقون تعبهم أيضًا، ويمنحون الحياة هدنةً قصيرة من سباقها المحموم.
يصبح المساء أكثر رحمة، والصوت أكثر دفئًا، واللقاء أكثر معنى. حتى الصمت في رمضان يبدو وكأنه عبادة أخرى، لأن القلب فيه يتكلم.
نحن لا نحتفل برمضان لأنه شهر مختلف فقط، بل لأنه يذكّرنا بأننا يمكن أن نكون مختلفين.
أن الإنسان، رغم اعتياده، قادر كل عام أن يبدأ من جديد، أن ينظف روحه، وأن يرمم علاقته بالسماء وبالناس وبنفسه.
ولهذا، حين يقترب الهلال، لا تفرح العيون وحدها…
بل تفرح الإمكانية:
إمكانية أن نعود أنقى، وأهدأ، وأقرب.
رمضان لا يأتي ليضيف أيامًا إلى حياتنا،
بل ليضيف حياةً إلى أيامنا. 🌙






المزيد
الخامسة وخمس وخمسون دقيقة بتوقيت أم درمان بقلم بثينة الصادق أحمد
طريق النور بقلم سميرة السوهاجي
جناح المغفرة والرحمة بقلم د. عبير عبد المجيد الخبيري