حين يضيق الدرب… ويفتح السراب
بقلم الكاتب فلاح كريم العراقي
أحيانًا… يضيق الطريق فجأة،
كما لو أن الأرض نفسها ضاقت بك،
والسماء أسدلت ستائرها الثقيلة،
حتى صارت النجوم مجرد رماد باهت،
والليل يبتلع كل الأصوات،
حتى صوت قلبك بدا وكأنه بعيد،
يخفق وحده في صمتٍ قاتل.
تمشي، وتتعثّر بين ظلالك،
تكتشف أن كل حجرٍ أمامك،
كل عثرة، كل سقوط…
لم يكن سوى بوابة لم تعرفها عيناك بعد.
الضيق يصبح فجأة موسيقى،
خيوط الظلام تتحوّل إلى أوتار،
تهزّ روحك بصوتٍ لا يسمعه أحد،
إلا قلبك الذي يبدأ بالرقص،
يتعلم أن الصبر ليس انتظارًا،
بل أن ترى، في كل زاوية مغلقة،
زهرةً تنتظر أن تفتح،
شعاعًا يطرق بابك،
نسمةً خفية تعانق وجهك بلا صوت.
ترى الظلال تتحوّل إلى أجنحة،
والجدران تتفتّح لتصبح طرقًا مخفية،
حيث الريح تحمل معها رائحة المطر القديم،
ونسمات الماضي تحكي لك حكايا لم تُسمع،
ورنين ضحكات قديمة،
يذكّرك أن الحياة ليست مجرد خطوات على الأرض،
بل رحلة في قلب الظلام،
حيث كل خفقة، كل وهم، كل ألم،
يصنع شعاعًا صغيرًا من نورك المستور.
حين يضيق الدرب، تتوه…
تظن أنك ضائع…
لكن ضياعك هذا ليس فراغًا،
بل فضاء يتهيأ لاستقبالك،
ليعلّمك أن الطريق لم يكن واضحًا إلا حين يُختبر قلبك،
حين يتعب، حين يسقط، حين ينكسر قليلًا…
فتولد الرؤية من بين الشقوق،
كما يولد الفجر من بين الغيوم الثقيلة.
تبدأ الأصوات بالرجوع،
همسات الغيم، خفقات قلبك، صمت الأشجار،
تصبح كل زاوية، كل حجر، كل ظل…
رسالة صغيرة تقول:
“لقد كنت هنا… لم ترَ بعد ما سيأتي…
تكتشف أن الضيق ليس عقابًا،
بل طقس للروح،
لحظة تتعلم فيها كيف تتحول العتمة إلى طريق،
وكيف يمكن أن يصبح السقوط جناحًا،
وكيف يمكن لكل نهاية أن تحمل بدايات لم تُحلم بها،
وأن كل عثرة، كل خيبة، كل ألم،
يصنع منك شخصًا يرى ما لم تره عيناك من قبل.
وفي وسط الليل الطويل،
حين تهدأ الريح قليلاً،
وتختفي الأشجار من أمامك،
تدرك أن كل خطوة، كل نفس، كل وهم…
كان يقودك نحو نورٍ لم يكن ممكنًا إلا عبر الضيق،
نحو دربٍ يلمع فيه قلبك كما لم يلمع،
نحو أفقٍ لم تحلم أن تراه،
نحو حرية خفية،
حيث الألم يصبح موسيقى،
والظلام يصبح لوحة،
والروح…
تكتشف أنها كانت دائمًا في وسعها أن ترى ما لم تراه.






المزيد
القلم و الورقة بقلم عبدالرحمن غريب
شمس جديدة بقلم عبدالرحمن غريب
رمضان… ميزان القلب بقلم الكاتب هاني الميهى