مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين يصبح الصبر وطنا بقلم الكاتب عمرو سمير شعيب 

حين يصبح الصبر وطنا 

الكاتب عمرو سمير شعيب 

 

أحيانًا لا يكون الأمل فكرة واضحة، ولا وعدًا صريحًا، بل مجرد شعور خافت يسكن في زاوية القلب، يرفض أن يغادر مهما اشتدّ التعب. نعيش أيامنا ونحن نراقب الوقت وهو يمضي، نعدّ الخسارات بصمت، ونخفي خيباتنا خلف ابتسامات مؤقتة، ثم نقول لأنفسنا: لعلّ في الغيب شيئًا جميلًا يستحق كل هذا الانتظار.

لم نكن يومًا عشّاق الانتظار، ولم نختر أن نقف طويلًا عند أبواب المجهول، لكن الحياة كثيرًا ما تضعنا هناك دون استئذان. نُجبر على التريّث، على الصبر، على تعليق أحلامنا في فضاء غير مرئي، ونمنح الغد فرصة بعد أخرى، رغم أنه خذلنا مرارًا. ومع ذلك، لا نكفّ عن المحاولة، كأن في داخلنا صوتًا خفيًا يهمس: لم ينتهِ كل شيء بعد.

في لحظات الوحدة، حين يشتدّ الصمت وتثقل الأسئلة، نراجع ذاكرتنا بحثًا عن سبب واحد يجعلنا نواصل السير. نتذكّر أحلامًا قديمة، ووعودًا لم تكتمل، ووجوهًا غابت قبل أن تترك أثرها الأخير. ومع كل هذا، لا ننهار تمامًا. شيء ما يبقينا واقفين، ربما هو الإيمان بأن العدل لا ينسى، وأن التعب لا يضيع هباءً.

نكتشف مع الوقت أن الانتظار ليس فراغًا، بل امتلاء صامت. هو مساحة نعيد فيها ترتيب أرواحنا، وننقّي قلوبنا من الاستعجال، ونتعلّم كيف نحب الحياة رغم قسوتها. هو امتحان طويل للصبر، لا ينجح فيه إلا من آمن بأن الجميل لا يأتي سريعًا، لكنه حين يأتي، يعوّض كل التأخير.

وهكذا نمضي، نحمل في صدورنا يقينًا هشًّا لكنه صادق، أن في الغيب هدية مؤجلة، وأن ما يستحقّ الوصول… يستحقّ أيضًا أن ننتظره.