حين يسبق الرحيلُ الوعد بقلم أمجد حسن الحاج
لم تكن الحكاية عن فراقٍ مفاجئ، بل عن وعدٍ تأخّر كثيرًا حتى صار ثقيلاً على القلب. في تلك الليلة، كان الصمت أصدق من الكلام، وكانت الذكريات تمشي وحدها في الممرات الضيقة للروح، تصطدم بجدرانٍ من الندم، وتعود محمّلةً بأسئلة لا جواب لها. لم يكن الحزن صاخبًا، بل هادئًا كالماء الراكد، يتسلل إلى الداخل دون استئذان، ويترك أثره حيث لا تُرى الجراح.
كبرتُ وأنا أتعلم كيف أُخفي الدموع خلف ابتسامةٍ متعبة، وكيف أضع للغد قناع الأمل، رغم أن الأمس لم يكتمل. كان هناك صوتٌ يعلّمني الصبر دون أن يشرح لي لماذا يجب أن نتحمّل أكثر مما نطيق. وحين غاب ذلك الصوت، أدركتُ أن الصبر ليس فضيلة دائمًا، بل عادةٌ نتقنها حين نخاف الاعتراف بالوجع.
لم تكن الخسارة في الغياب وحده، بل في تلك اللحظة التي شعرتُ فيها بأن الطريق أطول مما يجب، وأن الخطوات التي قطعتها لم تكن كافية لحمايتي من الانكسار. علّمتني الأيام أن بعض القلوب تُولد لتكون مأوى، وأن فقدها يحوّل العالم إلى مساحةٍ باردة، مهما ازدحم بالناس. نبحث عن ظلٍّ يشبه الطمأنينة، فلا نجده، لأن الطمأنينة كانت إنسانًا، لا مكانًا.
تقدّم الزمن، ولم تتقدّم الأسئلة. ظلّت معلّقةً في الهواء، كأنها تخشى السقوط. لماذا نعتاد الألم؟ ولماذا نربّي الحنين حتى يصير أقوى منّا؟ كنتُ أظنّ أن النسيان قرار، ثم اكتشفتُ أنه معركة، نخسرها بصمت، ونعلن بعدها هدنةً مع الذكريات. نتصالح معها، لا حبًا بها، بل عجزًا عن طردها.
وفي كل مرةٍ أستعيد فيها الطريق، أجدني أصغر مما كنتُ، وأثقل مما ينبغي. كأن الحكاية أعادت تشكيل عمري، ووزّعتني على فصولٍ لم أخترها. تعلّمتُ أن القوّة ليست في الاستمرار فقط، بل في الاعتراف بأننا نتعب، وأن التعب لا ينقص من قيمتنا، بل يثبت إنسانيتنا.
انتهت القصة دون خاتمةٍ واضحة، كما تنتهي الحياة غالبًا. بقي الأثر شاهدًا، وبقي الوعد مؤجّلًا في الذاكرة، لا يموت ولا يتحقق. ومع ذلك، ما زلتُ أؤمن أن الحزن، مهما طال، لا يُلغي المعنى، بل يعمّقه، وأن من مرّوا في حياتنا وتركوا فراغًا، لم يرحلوا تمامًا، بل صاروا جزءًا منّا، نسير بهم، ونكبر رغم الفقد، لا بسببه.






المزيد
كتاب رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ بقلم الكاتب هاني الميهى
الموتُ حقّ، والحبُّ عذاب بقلم/ هاجر أحمد عبد المقتدر
أصداء كسرة بقلم / بثينة الصادق أحمد