حين نولد من جديد بقلم الكاتبة طابش رندة
في حياة كلّ إنسان لحظة صامتة لا يسمعها أحد، لكنها تهزه من الداخل كما تهز العاصفة شجرةوحيدة في صحراء واسعة. لحظة يدرك فيها أن الاستمرار بالشكل نفسه لم يعد ممكنا، وأن عليه أن يختار: إما أن يبقى كما هو، أو أن يولد من جديد.
الولادة الثانية لا تكون في المستشفى، ولا يرافقها صراخ طفل صغير، بل يرافقها صمت عميق وتأمل طويل. هي تلك اللحظة التي نعيد فيها ترتيب أفكارنا، نغسل أرواحنا من غبار الخيبات، ونقرر أن لا نحمل معنا إلى الغد إلا ما يستحق البقاء.
كثيرا ما نظن أن التغيير يحتاج إلى معجزة، لكن الحقيقة أنه يبدأ بخطوة صغيرة. قرار بسيط بعدم العودة إلى ما يؤذينا. اختيار واع بأن نغفر لأنفسنا قبل أن نطلب الغفران من الآخرين. شجاعة أن نعترف بأن بعض الطرق لم تكن لنا منذ البداية.
في لحظات الانكسار تحديدا، تتكشف قوتنا الحقيقية. فالإنسان لا يعرف صلابته إلا حين يختبر، ولا يكتشف نوره إلا بعد أن يعبر عتمة طويلة. ليس الألم عدونا دائما، بل قد يكون معلما صارما يدربنا على الصبر، ويعلمنا أن داخل كل ضعف بذرة قوة تنتظر أن تروى بالأمل.
أن نولد من جديد يعني أن نتخلى عن الصور القديمة لأنفسنا. أن لا نظل أسرى أخطاء الماضي أو كلمات قاسية سمعناها يوما. يعني أن نعيد تعريف ذواتنا بأيدينا، لا بأحكام الآخرين. أن نكتب قصتنا بقلم جديد، حتى وإن تمزقت الصفحات الأولى.
الحياة لا تمنحنا دائما ما نريد، لكنها تمنحنا دائما فرصة أخرى. فرصة لنكون أفضل، أصدق، أقرب إلى حقيقتنا. وكل يوم يشرق هو دعوة صامتة لبداية مختلفة.
ربما لا نستطيع تغيير كل ما حدث، لكننا نستطيع تغيير نظرتنا إليه. وربما لا نملك الماضي، لكن المستقبل ما زال صفحة بيضاء تنتظرنا.
فلنجرؤ على الولادة من جديد…
ولنمنح أنفسنا الإذن بأن نبدأ، مهما تأخر الوقت.






المزيد
الزمن الكاذب
صورةُ الإنسان في مرآةِ الآخرين
الشاهد الوحيد