مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين تحمل الفراشة صخرة العالم وتُحلّق رغم كل ما يُثقِل قلبها بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر

حين تحمل الفراشة صخرة العالم وتُحلّق رغم كل ما يُثقِل قلبها

بقلم/هاجر أحمد عبد المقتدر

في مشهدٍ يبدو مستحيلاً، تقف فراشةٌ صغيرة فوق صخرةٍ معلّقة في الهواء، كأنها قررت أن تتحدى قوانين الأرض وكل ما اعتدناه عن الضعف والقوة. جناحان رقيقان، يكاد الضوء ينفذ من خلالهما، يحملان ثقلاً لا تطيقه الجبال. لكنها لا ترتجف… لا تسقط… فقط تُحلّق.
الصخرة ليست حجراً فقط، بل وجعٌ قديم، ذكريات لم تُدفن كما ينبغي، ووعودٌ خذلت أصحابها. هي تلك الأيام التي أثقلت أرواحنا حتى ظننا أننا لن ننهض بعدها. ومع ذلك، هناك في داخل كل واحدٍ منا فراشةٌ صغيرة، تُصرّ على الطيران، حتى وإن كان العالم مربوطاً في قدميها.
السماء من حولها هادئة، والغيوم تمضي بلا اكتراث، والجبال في الأسفل شاهدة على صمتها. كأن الحياة تقول لنا: لستِ وحدكِ في هذا الحمل، لكن عليكِ أن تجدي أجنحتكِ أولاً. أن تؤمني بأن الرقة لا تعني الهشاشة، وأن اللين قد يكون أقسى من الصخر حين يتعلق الأمر بالبقاء.
الفراشة لا تملك عضلاتٍ ضخمة ولا صوتاً عالياً، لكنها تملك إرادة. تملك ذلك العناد الجميل الذي يجعلها تقول للصخرة: سأحملكِ… لا لأنكِ خفيفة، بل لأنني أقوى مما أبدو.
وهكذا نحن، نظن أن ما نمر به سيكسرنا، لكنه في الحقيقة يكشف حجم النور المختبئ في صدورنا. كل وجعٍ حملناه بصمت، كل دمعةٍ أخفيناها خلف ابتسامة، كانت تدريباً سرياً على الطيران.
ربما لا يرى الناس الصخرة، ولا يشعرون بثقلها، لكنهم سيرون الفراشة… سيرونها وهي تعبر السماء بثباتٍ ناعم، ويحسبون أن الأمر سهل. وحدها تعرف كم كلّفها هذا التحليق.
وفي النهاية، ليست المعجزة أن تختفي الصخرة… المعجزة أن تتعلّم الفراشة كيف تُحلّق بها.