بقلم أ/مريم زهران
في زمن أصبحت فيه المسافات أقصر من ضغطة زر، نكتشف أننا لم نكن يومًا أبعد عن أنفسنا. كيف غيّرت السوشيال ميديا ملامح حياتنا وعلاقاتنا، وما الطريق لاستعادة إنسانيتنا؟
لم يكن الإنسان يومًا بهذا القرب من العالم، ولا بهذا البعد عن نفسه،
كنا نجتمع على طاولة واحدة، نتبادل الأحاديث والضحكات، أما اليوم، فنجلس في نفس المكان، لكن كلٌّ منا غارق في نافذته الصغيرة، يمدّ عينيه نحو شاشة مضيئة، بينما يغلق قلبه عن الحاضر.
السوشيال ميديا… هذا العالم الذي بدأ بوعد التواصل، لكنه سرعان ما تحوّل إلى مرآة مشوهة تعكس لنا ما نريد أن نراه، أو ما يُراد لنا أن نراه فيه نُعيد تشكيل حياتنا لتبدو أجمل، وأصدقاؤنا ليبدوا أقرب، وأحلامنا لتبدو أقرب منالًا، لكنها تبقى أحلامًا من زجاج… تلمع، لكنها قابلة للكسر عند أول لمسة واقع.
تآكلت الحوارات الحقيقية، واستبدلنا دفء الأعين ببرود الرموز التعبيرية. أصبحنا نعرف أخبار الغرباء أكثر مما نعرف مشاعر أقرب الناس إلينا. وصرنا نختزل العمر في “منشور”، والفرح في “إعجاب”، والحزن في “تعليق مواساة”.
إن أخطر ما تصنعه هذه المنصات ليس ضياع الوقت، بل ضياع المعنى.
حين يقيس المرء قيمته بعدد المتابعين، ويزن أفكاره بعدد الإعجابات، يكون قد سلّم قلبه وعقله إلى آلة لا تعرف سوى لغة الأرقام.
بين الوهم والحقيقة
حين نغرق في هذا العالم الافتراضي، ننسى أن وراء كل صورة مصفّاة بالمرشحات، حياة مليئة بالتفاصيل التي لا تظهر على الشاشات. ننسى أن خلف كل ضحكة مُلتقطة بعناية، ربما كان هناك قلب مثقل بالأوجاع، أو عين لم تجف دمعتها بعد، ومع الوقت، نصبح نحن أيضًا جزءًا من هذه المسرحية، نختار بعناية ما نعرضه، ونخفي ما نخشاه أو نخجل منه.
في عالم السوشيال ميديا، يصبح النجاح صورة في مؤتمر، والسعادة مشهدًا على شاطئ، والحب جملة تحت صورة ثنائية. أما الألم، فيُهمَش أو يُقدَّم على هيئة كلمات شاعرية تُنال الإعجاب بدلًا من الاحتواء.
إن الوهم الذي تبنيه السوشيال ميديا ليس خطيرًا لأنها تكذب، بل لأنها تجعلنا نصدق الأكاذيب طواعية، ونقيس أنفسنا بمقاييس لم تُصنع لنا.
أثرها على العلاقات
العلاقات الحقيقية تحتاج لمساحة من الصدق والدفء، لكنها في هذا العصر تذوب وسط رسائل مقتضبة وصور سريعة الزوال، أصبحنا نخشى الصمت في اللقاءات، فنملؤه بهواتفنا، وكأنها حائط يحمي قلوبنا من المواجهة.
لم نعد نرى ملامح بعضنا كما كانت، بل نرى نسخًا رقمية مصمّمة بعناية، وأحيانًا مُبالغ فيها، نلتقي بأشخاص نشعر أننا نعرفهم من خلال ما ينشرونه، ثم نكتشف أننا لا نعرف عنهم شيئًا حقيقيًا.
والأخطر من ذلك، أن هذه المنصات غيّرت مقاييس القرب والبعد، فربما يكون أقرب الناس إليك جسديًا هو أبعدهم عنك وجدانيًا، بينما من يبعد عنك آلاف الكيلومترات يشاركك أدق تفاصيل يومك.
كيف ننجو؟
النجاة لا تكون بالهروب من التكنولوجيا، بل بترويضها. أن نتذكر أن هذه الشاشات وسيلة، لا وطنًا بديلًا. أن نترك مساحة للحظة الحقيقية، لصوت الضحكة دون ميكروفون، لنظرة العين دون عدسة، ولمسة اليد دون شاشة فاصلة.
فلنُجرّب أن نلتقي بلا هواتف، أن نتركها في حقائبنا ونمنح أرواحنا فرصة للتنفس، أن نُعيد لجلوسنا على المقاهي والمجالس رائحة القهوة وحكايات الطفولة بدلًا من إشعارات الرسائل.
حين نتحرر من وهم المثالية الذي تصنعه السوشيال ميديا، نستعيد إنسانيتنا، ونكتشف أن الحياة الحقيقية تحدث حين نرفع أعيننا عن الشاشة، ونتذكر أن القرب الحقيقي لا يُقاس بالميغابايت، بل بنبضة القلب وصدق اللحظة.
الخاتمة
وحين ينطفئ ضوء الشاشة، ويغيب وميض الإشعارات، سنكتشف كم من الوقت سرقناه من أعمارنا، وكم من الوجوه الحقيقية فقدناها ونحن نطارد وجوهًا على الزجاج، وحينها، لن يكون السؤال: كم تابعك على السوشيال ميديا؟ بل: من بقى بجوارك حين أغلقت هاتفك؟






المزيد
الشعور بالذنب
أخلاق الذئاب ( ١ ) فلسفة الكرامة التي لا تنحني
الشخصية الزئباقية