مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ثقل لا يرى بقلم أمجد حسن الحاج

“ثقل لا يُرى”

بقلم: د. أمجد حسن الحاج

 

يبدو هذا الجسد المنحني، المصنوع من أسلاك متشابكة، كأنه لم يولد ليحيا، بل ليُقيد، ليسير مثقلًا نحو هاوية بلا ملامح، معلّقًا بخيطٍ رفيعٍ يربطه إلى حجرٍ صامت، لا يرحم.  

وكأن الحياة قررت أن تجعل من الألم تمثالًا، ومن الانكسار فنًا، ومن التعب حكايةً يقرؤها العابرون دون أن يشعروا بحرارة الشقاء.

 

ذلك الحجر الذي لا يبدو ثقيلًا للعين، يحمل في جوفه رماد سنين، ودموعًا جافة، وصراخًا لم يسمعه أحد.  

ليس وزن الحجر ما يُسقط الرجل، بل وزن التجاهل، الغربة، العجز، خيبات الأمل، خيانات الزمن، وذكريات لم تُدفن كما ينبغي.

 

الأسلاك التي تشكّلت لتُجسد إنسانًا، لم تكن يومًا حرّة، بل قيودًا رُكبت بتأنٍ، كأن الحياة خيطت بها جسدًا ليبقى مأسورًا داخل قالب الألم، يحاول أن يقف، لكنه كلما حاول، جرّه العبء نحو الانحناء من جديد.

 

لا صوت لهذا التمثال، لكنه يصرخ بصمته.  

لا عينين فيه، لكنه يُبصر كل من مرّ عليه دون أن يمد يدًا، أو حتى يُنصت للحزن المختبئ بين تفاصيله.

 

إنها ليست مجرد قطعة فنية، بل اختصارٌ مرعب لما نعيشه أحيانًا.  

حين يكون الرأس مثقلًا بأحجار الندم، والكتف مكدسًا بتعب الذاكرة، والروح معلقة في فضاء من الأسى.

 

لكن رغم كل هذا، لا يزال الجسد مرفوعًا عن الأرض، ولو بخيطٍ هشّ، وكأن في داخله شيئًا يرفض السقوط التام، شيئًا يقول:  

رُبما تُكسر القيود يومًا،  

رُبما يسقط الحجر،  

ورُبما، يعود الإنسان حرًّا كما خُلق.

هذه القطعة لا تحتاج لمن يصفها، بل لمن يشعر بها…  

فكثيرون نحمل أحجارًا لا يراها أحد، ونقف بهياكل منهكة، نبحث عن معنى في هذا الركام المعلق بالحياة.