مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

تشتت العقل حين صار العالم كلُّه في شاشة بقلم أمل أسماعيل أحمد

تشتت العقل
حين صار العالم كلُّه في شاشة
للكاتبة:- امل اسماعيل احمد

لم يكن الشابُّ قديمًا يرى من الحياة إلا ما يحيط به؛ فيعرف حدود عالمه، ويختار طريقه من بين ما يراه، ثم يمضي فيه خطوةً بعد خطوة. أمّا اليوم، فقد أصبح العالم كلُّه في شاشةٍ صغيرة؛ عشرات المهن، ومئات المهارات، وآلاف التجارب، وحيواتٌ متباينة تتدفق أمام عينيه في دقائق معدودة.

يرى شخصًا يتقن البرمجة، وآخر يبدع في التصميم، وثالثًا ينجح في التجارة، ورابعًا يصنع المحتوى، وخامسًا يتحدث عن اللغات، وسادسًا يمارس الرياضة، وسابعًا يقرأ عشرات الكتب، وثامنًا يسافر ويعمل ويحقق الإنجازات… فيبدأ السؤال القاسي:

أيُّ طريقٍ أختار؟

ثم لا يلبث السؤال أن يتحول إلى أزمة؛ لأن الشاب لم يعد يريد أن يختار مجالًا واحدًا، بل يريد أن يكون بارعًا في كل شيء، ناجحًا في كل شيء، جميل الإنجاز في كل شيء، وكأن عليه أن يجمع في شخصه كل النماذج التي يراها أمامه.

وهنا يبدأ التشتت.

كلما فتح هاتفه وجد بابًا جديدًا، وكلما أعجبه مجالٌ ظهر له مجالٌ آخر، حتى يصبح عقله كمن يقف عند مفترق طرقٍ لا نهاية له؛ يخطو خطوةً في طريق، ثم يلتفت إلى طريقٍ آخر، ثم يندم على الأول، ثم يكتشف ثالثًا فيظن أنه ضيّع عمره لأنه لم يسلكه.

إنها ليست كثرة الخيارات وحدها، بل وهم أن عليك أن تختار الخيار المثالي.

وهذا الوهم من أكثر ما يُتعب الإنسان؛ لأن الكمال الذي يطارده ليس موجودًا أصلًا.

تريد أن تختار التخصص الأفضل، والعمل الأفضل، والمهارة الأفضل، والحياة الأفضل، وتريد في الوقت نفسه ألّا تخسر شيئًا من البدائل الأخرى. فتظل واقفًا أمام أبواب كثيرة، لا تدخل واحدًا منها خوفًا من أن يكون خلف الباب الآخر ما هو أفضل.

ثم تنظر إلى الآخرين، لا إلى حقيقتهم، بل إلى أجمل لحظاتهم المعروضة أمامك.

ترى نجاحهم ولا ترى سنوات تعبهم، وترى نتائجهم ولا ترى بداياتهم، وترى الصورة المكتملة ولا ترى الفوضى التي سبقتها. فتقارن يومك العادي بأفضل لحظةٍ في حياة شخصٍ آخر، وتقارن بدايتك بمنتصف طريقه، ثم تسأل نفسك: لماذا أنا متأخر؟ لماذا الجميع أفضل مني؟ لماذا لم أصل بعد؟

وهكذا يتحول الهاتف من نافذةٍ على العالم إلى مرآةٍ مشوّهة يرى الإنسان فيها نفسه أقل مما هو عليه.

كلما ازداد النظر، ازداد الشعور بالنقص؛ وكلما ازداد الشعور بالنقص، ازداد البحث عن شيءٍ جديد يثبت للإنسان أنه ليس أقل من غيره. ثم تبدأ دائرةٌ مرهقة: مقارنة، ثم نقص، ثم قلق، ثم محاولة للحاق بالآخرين، ثم مقارنة جديدة.

وقد يصل الإنسان إلى حالةٍ من التعاسة والإنهاك النفسي؛ لا لأنه يفتقد كل شيء، بل لأنه أصبح يرى كل ما يفتقده في كل لحظة.

ولم يتوقف الأمر عند الإنجازات.

حتى الأشياء التي نملكها لم تعد تبدو كافية.

فالإعلان الذي تراه مرةً قد يمرّ أمامك دون أثر، لكن حين يتكرر، ويتكرر، ويتكرر، يبدأ العقل في الاعتياد عليه، ثم يتحول الاعتياد إلى رغبة، والرغبة إلى شعورٍ بأن هذا الشيء ضروري، مع أنه لم يكن في حياتك قبل أيام، وربما لم تكن تحتاج إليه أصلًا.

يُعرض عليك هاتفٌ جديد، ثم سماعة، ثم ملابس، ثم عطر، ثم جهاز، ثم اشتراك، ثم منتج آخر… حتى يصبح الإنسان أحيانًا لا يسأل:

«هل أحتاج هذا؟»

بل يسأل:

«كيف أستطيع الحصول عليه؟»

وهنا تكمن إحدى أخطر مفارقات العصر:
أن الإنسان قد يملك أكثر مما يحتاج، ومع ذلك يشعر أنه يفتقد أكثر مما يملك.

ليس لأن حاجاته الحقيقية ازدادت، بل لأن ما يُعرض أمام عينيه لم يعد له نهاية.

فكلما امتلك شيئًا، أُريَ شيئًا آخر، وكلما وصل إلى مستوى، ظهر أمامه مستوى جديد، حتى يصبح الرضا مؤجلًا دائمًا إلى «الشيء القادم».

وهكذا لا يكتفي الإنسان بأن يستهلك الأشياء، بل يبدأ في استهلاك الانتباه، والوقت، والطمأنينة، والرضا.

ولعل الحل ليس أن نهرب من العالم، ولا أن نكره التقنية، ولا أن نغلق أبواب المعرفة؛ فالمشكلة ليست في وجود الخيارات، وإنما في أن نسمح لها بأن تختار عنا بدلًا منا.

ليس مطلوبًا منك أن تتقن كل شيء؛ يكفي أن تعرف أيُّ شيء يستحق أن تمنحه سنواتك.

ولست مطالبًا بأن تصبح نسخةً من كل شخصٍ أعجبك نجاحه؛ فالله لم يخلق الناس ليؤدوا الدور نفسه، ولم يجعل قيمة الإنسان في عدد المهارات التي جمعها، ولا في عدد الأشياء التي امتلكها.

اختر طريقك، ثم امنحه وقتك.

تعلّم أن تقول: «هذا ليس مجالي»، حتى لو كان المجال ناجحًا عند غيرك.
وتعلّم أن تقول: «لا أحتاج هذا»، حتى لو امتلكه الجميع.
وتعلّم أن تغلق الشاشة أحيانًا، حتى تسمع صوتك أنت، لا أصوات آلاف الناس التي تتحدث في رأسك في وقتٍ واحد.

فالحياة الحقيقية لا تُعاش كلها في شاشة، والنجاح ليس أن تعرف كل الطرق، بل أن تعرف أيَّ طريقٍ يستحق أن تمشيه.

لا تجعل كثرة ما تراه تُشعرك بقلة ما تملك، ولا تجعل نجاح الآخرين دليلًا على فشلك، ولا تجعل الإعلانات تُقنعك بأن حياتك ناقصة لمجرد أن متجرًا يريد منك أن تشتري.

فليس كل ما يلفت انتباهك يستحق وقتك،
وليس كل ما تريده تحتاجه،
وليس كل ما يملكه غيرك ينقصك،
وليس كل طريقٍ تراه أمامك طريقك.

أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى المزيد، بل يحتاج إلى ضوضاءٍ أقل.

وأحيانًا لا تكون المشكلة في أن حياتنا فقيرة، وإنما في أننا ننظر إليها بعينٍ امتلأت بما عند الآخرين حتى عجزت عن رؤية ما عندنا.

فاحفظ عقلك من التشتت، وقلبك من المقارنة، ونفسك من مطاردة الكمال؛ لأن الكمال الذي تراه على الشاشات صورةٌ مصنوعة، أما الحياة الحقيقية فليست مكتملة، ولا يُطلب منها أن تكون كذلك.

عِش حياتك، لا النسخة المعروضة منها.
واختر ما تحتاجه، لا ما يُراد لك أن ترغب فيه.
واسلك طريقك، بدل أن تقضي عمرك في النظر إلى طرق الآخرين.

فربما كان أعظم ما تحتاجه اليوم ليس أن تضيف شيئًا جديدًا إلى حياتك،
بل أن تتعلم كيف تُسقط عنها كل ما لم يكن لك منذ البداية.