تراب لا يُنسى/
بقلم/ سعاد الصادق
قصة قصيرة.
في صباحٍ دافئ من صباحات الربيع، عاد سامر إلى قريته بعد غياب عشر سنوات في الغربة. جلس على ربوةٍ تطلّ على الحقول، حيث لعب صغيرًا، وحلم شابًا. حمل معه شهادة علمية، وذكريات قاسية، وحبًا عميقًا للوطن لم يعرف حجمه إلا حين غاب عنه.
سامر لم يسافر للسياحة أو الراحة. سافر بحثًا عن فرصة، وكان الطريق مليئًا بالتحديات: لغة غريبة، وعمل شاق إلى جانب.الدراسة ، وليالٍ باردة، ووحدة لا يقطعها إلا صوت أمه وابيه في مكالمات قصيرة، تمسح بعضًا من تعبه.
أدرك هناك، وسط صقيع الغربة، أن الوطن ليس مجرد مكان يولد فيه الإنسان، بل هو الأمان، والعائلة، والهوية. فقرر، يومًا، أن لا تكون غربته بلا معنى.
عندما عاد، لم يفكر في الراحة، بل وقف على أطلال مدرسة القرية القديمة، التي كانت جدرانها متصدعة، ونوافذها مهشّمة، وقال:
”إن كنت قد تعلمت شيئًا، فهو أن أبني هنا.”
بدأ سامر مشروعًا صغيرًا لإعادة تأهيل المدرسة. استثمر مدخراته القليلة، وتعاون مع أهل القرية، وتواصل مع مؤسسات داعمة. لم يكن الأمر سهلًا، لكنه كان مؤمنًا أن التعليم هو أساس بناء الأوطان.
تحوّلت المدرسة بعد شهور من العمل إلى صرحٍ صغير مليء بالحياة. عاد الأطفال يضحكون في ساحتها، يُرددون النشيد كل صباح، تمامًا كما كان يفعل سامر قبل سنين.
ثم أسّس مبادرة لتعليم الحاسوب للشباب، وقال لهم:
”لا تسافروا بحثًا عن المعنى… اصنعوه هنا. فالوطن لا ينتظر أن نحبّه بالكلام، بل أن نعمل لأجله باليد والقلب.”
عاد سامر من الغربة رجلًا يعرف أن حب الوطن ليس فقط حنينًا، بل مسؤولية. وحين سُئل مرة: “ما الذي جنيته من الغربة؟” ابتسم وقال:
”الغربة عرفتن قيمة الوطن… لكن الوطن هو الذي أعطاني المعنى.”






المزيد
التعجرف وكتابة كتاب
دوائر القدر : للكاتبة:سعاد الصادق
حب يملأ الدنيا