بين كتابٍ يُنقذ وروحٍ تُستنزف
بقلم: د. أمجد حسن الحاج
على رمالٍ ناعمةٍ تشبه هشاشة الوقت، تمدّد الإنسان مستسلماً، لا لأنه عاجز عن النهوض، بل لأن الضجيج أثقل صدره حتى ظنّ السكون خلاصاً. هاتفٌ بارد في كفّه، لا ينبض إلا بالإشعارات، بينما فمه مفتوح يستقبل سيلاً من الرموز، وجوهاً صفراء تضحك بلا قلب، وأيقوناتٍ تومض كنجومٍ زائفة، تدخل بلا استئذان وتغادر دون أن تترك معنى.
فوقه يقف الكتاب، جسدٌ من ورقٍ وروحٌ من معرفة، ملامحه متجهمة لا قسوةً بل غيرة. عيناه تتأملان المشهد بحزن الحكيم، ويداه تحاولان إغلاق الجرح المفتوح في صدر الإنسان. ليس صراع قوة، بل معركة زمن؛ زمنٌ كان فيه الحرفُ بوابة النجاة، وزمنٌ صار فيه الضوءُ السريع بديلاً عن الفهم.
الكتاب لا يضغط على صدره ليؤلمه، إنما ليوقظه. يريد أن يقول: المعرفة لا تُبتلع دفعةً واحدة، ولا تُهضم عبر شاشاتٍ تلمع ثم تنطفئ. الحكمة تُقرأ بتأنٍ، تُروى بالصبر، وتُثمر حين تُسكن العقل لا حين تُرهق الحواس. أما هذا السيل الرقمي، فيدخل كالعاصفة، يسرق الانتباه، ويترك الفكر عارياً.
حول الجسد الملقى، تتراكم الأجهزة كأمواجٍ باردة، كل شاشة مرآة، لكنها لا تعكس سوى الفراغ. كثرتها لا تعني الاكتفاء، وتجاورها لا يصنع دفئاً. الإنسان هنا ليس ميتاً، لكنه مُستنزف، يعيش حالة إغماءٍ ثقافي، فقد فيها القدرة على التمييز بين المعرفة والضوضاء.
الكتاب يعرف أن المعركة ليست ضد التقنية، بل ضد الاستسلام. فالأدوات محايدة، والروح هي التي تختار. إمّا أن تجعل من الشاشة نافذة، أو تتحول إلى فمٍ يبتلعك. إمّا أن يكون الهاتف وسيلة، أو يصبح قيداً يربطك بالأرض وأنت تحسبه جناحاً.
هذه الصورة ليست رسماً، بل مرآة. من يحدق فيها يرى نفسه بين خيارين: أن ينهض، يضمّد صدره بالقراءة، ويعيد للوعي كرامته، أو يظل ممدداً، يتغذى على ومضٍ سريع، حتى ينسى طعم السؤال.
وفي النهاية، لا ينتصر الكتاب بقسوته، بل بصبره. يبقى واقفاً، ينتظر لحظة الإفاقة، لأن المعرفة الحقيقية لا تموت، لكنها تصمت طويلاً حين لا تجد من يصغي.






المزيد
القلم و الورقة بقلم عبدالرحمن غريب
شمس جديدة بقلم عبدالرحمن غريب
رمضان… ميزان القلب بقلم الكاتب هاني الميهى