مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

بيني وبين الغياب بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر

بيني وبين الغياب

بقلم/هاجر أحمد عبد المقتدر

تجلس الصغيرة على الأرجوحة كأنها تجلس على حافة عمرٍ لم يكتمل، تمسك بالسلاسل الباردة وكأنها تمسك بما تبقّى لها من أمان. ظهرها للعالم، وشعرها المنسدل يخفي ملامحها، كأنها لا تريد لأحد أن يرى في عينيها ما يكفي ليكسر قلب مدينة بأكملها.
المطر لا يهطل فوقها فقط، بل يهطل بداخلها.
كل قطرة تسقط على كتفيها تشبه ذكرى قديمة كانت تظن أنها نسيتها، لكنها تعود فجأة، بنفس الوجع، بنفس الثقل، بنفس السؤال الذي لا يجد جوابًا.
هي لا تتأرجح…
هي عالقة بين اتجاهين:
طفولة كانت تضحك دون سبب،
وقلبٍ كبر قبل أوانه وتعلّم أن الصمت أرحم من الكلام.
كم مرة شعرت أنها وحدها حتى وسط الزحام؟
كم مرة ابتسمت كي لا يسألها أحد: “ما بكِ؟”
وكم مرة تمنت لو أن أحدهم يلاحظ ارتعاشة يدها وهي تتمسك بالسلسلة، لا لتتأرجح، بل كي لا تسقط؟
الأرجوحة تتحرك ببطء، كأنها تخاف عليها من السقوط.
لكن الحقيقة أن السقوط ليس من الخشب…
السقوط من الداخل.
من الثقة حين تُخذل،
من الحلم حين يُكسر،
من القلب حين يُترك وحيدًا في ليلة أطول من العمر.
السماء رمادية، والأرض صامتة، والوقت ثقيل كأنه يمشي فوق جرحٍ مفتوح.
هي لا تبكي بصوتٍ عالٍ…
بل تبكي بطريقة لا يسمعها أحد.
تبكي حين تتظاهر بالقوة.
تبكي حين تقول “أنا بخير” وهي تعرف أن بداخلها ألف شيءٍ ليس بخير.
ربما لا تريد شيئًا كبيرًا…
لا معجزة، ولا وعودًا ضخمة.
فقط يدًا دافئة تقول لها:
“أنا هنا… لن أترككِ تتأرجحين وحدكِ بين الخوف والحنين.”
لكنها تعلمت شيئًا قاسيًا:
أن بعض الغياب لا يُعوَّض،
وأن بعض الوجوه لا تعود مهما طال الانتظار،
وأن القلب حين ينكسر بصمت، لا يسمعه إلا الله.
فتبقى هناك…
بين المطر والذكريات،
بين طفلةٍ كانت تضحك، وامرأةٍ تتعلّم كيف تخفي وجعها،
تتأرجح ببطء،
وكأنها تقول للعالم كله:
“كنت أحتاجكم…
لكنكم