مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الهدوء ليس سلامًا دائمًا

للكاتب / عمرو سمير شعيب 

ليس الهدوء دائمًا مرادفًا للسلام كما نحب أن نصدّق بل كثيرًا ما يكون حالة انسحاب بطيئة من الصراع حين تتآكل الرغبة في الشرح ويبهت الإصرار على الفهم فيتحوّل الصمت من اختيار واعٍ إلى ضرورة ثقيلة ويغدو الهدوء مساحة نتوارى فيها من التعب أكثر مما نرتاح فيها منه فهناك أوقات لا نهدأ فيها لأننا وصلنا بل لأننا لم نعد نحتمل السير ولا لأن الأسئلة انتهت بل لأن تكرارها صار بلا جدوى وحينها يصبح الهدوء شكلاً مهذبًا من أشكال الإنهاك الداخلي الذي لا يلفت الانتباه ولا يستدعي القلق

نحن نعيش في زمن يُكافئ الهدوء ويمنحه صفة الحكمة ويضعه في خانة النضج بينما ينظر إلى الانفعال بوصفه ضعفًا وإلى التعب كأنه خلل أخلاقي ولذلك يتعلّم الإنسان مبكرًا كيف يخفض صوته لا لأنه اقتنع بل لأنه خشي أن يبدو مرهقًا أكثر مما ينبغي فيعتاد الصمت حتى يتسرّب إلى داخله ويستقر هناك لا كسلام بل كفراغ يتقن التظاهر بالطمأنينة

هناك فرق دقيق لا ننتبه إليه بين الهدوء الذي يأتي بعد الفهم والهدوء الذي يولد بعد الإنهاك الأول يشبه استراحة وعي والثاني يشبه توقّفًا اضطراريًا للروح فالأول يحمل في داخله إجابات ولو جزئية أما الثاني فيحمل أسئلة أُرهقت من البحث ولم تجد طريقًا للخروج فيتوقّف الجدل لا لأنه حُسم بل لأنه استنزف طاقته وحينها لا يعود الصمت امتلاء بل غيابًا متراكمًا

كثيرون يبدون في قمة اتزانهم لأنهم فقدوا الرغبة في الدفاع عن أنفسهم لم يعودوا يشرحون ولا يبررون ولا يحتجون ليس لأنهم تجاوزوا الألم بل لأن الألم طال مقامه في الداخل حتى صار جزءًا من اليومي المألوف وكأن الروح قالت ما يكفي وتعلّمت أن النجاة أحيانًا لا تكون بالمواجهة بل بالانسحاب الهادئ من الضجيج

في هذا النوع من الهدوء لا توجد معركة رابحة بل نهاية بلا احتفال تتراجع الأحلام خطوة إلى الخلف لا تموت لكنها تصمت وتتوارى الرغبات لا تختفي لكنها تفقد صوتها ويستمر الإنسان في العيش بكفاءة ظاهرة بينما داخله يتحرّك على إيقاع أبطأ وأكثر ثقلًا كأنه يؤجّل نفسه باستمرار باسم التماسك وباسم الحكمة وباسم أن الحياة لا تنتظر المنهكين

نخطئ حين نطالب الآخرين بالهدوء دائمًا كأن الصوت العالي فضيحة وكأن التعب خلل يجب إخفاؤه فبعض الضجيج ليس فوضى بل طلب نجدة وبعض الانفعال ليس ضعفًا بل علامة حياة والهدوء الذي يُفرض على الإنسان قد يتحوّل إلى قيد ناعم يمنعه من الاعتراف بما يتآكل فيه ببطء

السلام الحقيقي لا يُقاس بمدى الصمت ولا بانخفاض النبرة بل بالقدرة على مواجهة الذات دون خوف وبالقدرة على التسمية لا الهروب أن نهدأ لأننا فهمنا لا لأننا استسلمنا وأن نصمت لأننا اخترنا الصمت لا لأن الكلام فقد قيمته ولذلك حين ترى هدوءًا طويلًا لا تنخدع بسطحه ولا تُسارع إلى الإعجاب به بل اقترب بحذر واسأل هل هذا الإنسان وجد سلامه أم أنه فقط تعلّم كيف يفقد صوته دون أن يُسمع.