مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

العلمي… والأدبي: حين تتحول الشهادة إلى طبقية

بقلم: يحيى القطب 

منذ اللحظة التي يُقال فيها للطلبة: أنتم الصفوة… شعبة علمي، أو يُربَّت على أكتاف آخرين قائلين: أنتم أرباب كليات الشعب… شعبة أدبي، يبدأ الشرخ.

ليس في الدراسة… بل في النفوس، وليس في الدرجات… بل في المكانة.

منذ متى تحوّل التخصص إلى طبقية؟ ومتى أصبح المسار الدراسي حكمًا نهائيًا على الذكاء والمكانة الاجتماعية؟

هل صرنا نُقسِّم أبناءنا كما تُقسَّم الطبقات الاجتماعية؟ علميٌّ أرستقراطي… وأدبيٌّ كادح مثلًا؟

ولأبسط الفكرة لكم، سأحكي قصة قصيرة وقعت لي شخصيًا.

كنتُ في الثانوية العامة شعبة علمي رياضيات، وكنتُ الوحيد تقريبًا الذي يقف بين زملائه من الشعبة الأدبية نلعب الكرة قبل طابور الصباح، نتبادل الأحاجي والنكات، ولم أكن أرى فرقًا؛ فالجميع بالنسبة لي زملاء دراسة. لم أمارس أي عنصرية، بقصد أو بغير قصد.

لكن المرض لا يستأذن أحدًا!

تخلّفتُ عن المراجعات النهائية، وجاء المجموع كما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.

ومن بين جميع الكليات المتاحة، اخترت كلية الحقوق. بعض زملائي من الشعبة الأدبية التحقوا بها أيضًا.

كان مجموعي أعلى منهم بنحو سبعة عشر في المئة على الأقل، ورغم ذلك التحقت بالكلية منتسبًا، أي بمصاريف مرتفعة وكارنيه غير مدعّم، بينما التحقوا هم انتظامًا بمصاريف مدعّمة وكارنيهات أساسية.

لم يوجعني ذلك، ولم يؤثر فيّ كثيرًا، لكن ما ترك أثرًا بليغًا في نفسي عبارة قالها أحدهم:

“أنت تعبت في كيمياء وفيزياء ورياضيات… وفي النهاية نجلس في نفس المدرج.

أنا انتظام بـ71٪، وأنت منتسب بـ89٪. وكنتم تتعالون علينا.”

هنا فقط أدركت أن المسألة لم تكن درجات… بل ذاكرة حفرت بقلم الغل والاحتقار.

رددّت عليه: “لكنني لم أتعالَ يومًا على أحد.”

وفي نهاية العام، حسم تقديري المرتفع المسألة، فتحولت إلى طالب انتظام، وسقط هو.

وحتى لا تتسلل الشماتة إلى قلبي، قضيت الأسبوع الأول من العام التالي إلى جواره دعمًا له.

لكن السؤال بقي: كم من هذه الاعتبارات مدفون في النفوس؟

انظروا إلى مجال أدق: الصحة النفسية.

الطبيب النفسي خريج الطب، والمعالج النفسي خريج علم النفس.

الأول يملك الدواء، والثاني يملك أدوات الفهم العميق للسلوك والاضطراب.

إذا لم يعترف أحدهما بالآخر، فمن الخاسر غير المريض؟

حين يتحول الاختلاف في الخلفية العلمية إلى صراع مكانة، يصبح العلاج مبتورًا.

والواقع يخالف هذا الفكر العقيم. نرى في عالم المهن مثلًا:

طبيبًا عبقريًا بحجم دكتور مجدي يعقوب، ومحاسبًا فذًا بحجم حازم حسن.

هل تفوق الأول لأنه “علمي”؟ وهل نجح الثاني لأنه “أدبي”؟

كلا.

تفوقا لأنهما أتقنا دوريهما حتى صارا قمة في مهنتيهما، تتجاوز الشهادة نفسها.

في المقابل، كم من طبيب عادي؟ وكم من مهندس باهت؟ وكم من محامٍ لا يُحسن قضيته؟ وكم من محاسب لا يتجاوز الروتين؟

المسألة ليست في الخانة التي وُضعت فيها وأنت في السابعة عشرة من عمرك، بل فيما صنعتَ بعد ذلك.

وخطورة هذا الصراع بين الأدوار ليست اجتماعية فحسب… بل مؤسسية أيضًا.

فما مصير شركةٍ يتعالى فيها المهندس على الإداري، ويتعامل القانوني مع الفني بنزعة استعلاء؟

هي شركة محكوم عليها بالانهيار حتمًا.

وكيف يكون الحال إذن بمجتمع يُربي أبناءه على أن تخصصًا أعلى من تخصص؟ مجتمع يزرع الشقاق بدلًا من أن يزرع الإبداع؟

العبرة ليست بالشهادة… بل بمدى نجاحك في دورك.

قد تكون طبيبًا ولا تُنقذ نفسًا، وقد تكون محاميًا فتردّ مظلمة، وقد تكون محاسبًا تهدم مؤسسة، وقد تكون مهندسًا تقيم مدينة.

القيمة لا تُقاس بما درست… بل بما صنعت.

والمجتمع لا يسقط لأن أبناءه اختاروا تخصصات مختلفة، بل يسقط حين يُقنعهم أن أحد الطريقين أعلى من الآخر.