مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

العبودية الفكرية بقلم أميرة الزملوط

العبودية الفكرية”
للكاتبة: أميرة الزملوط

إن أخطر وجوه الاستلاب لا تكمن في ممارسة القهر المادي المباشر، بل في تلك المنظومات الحديثة التي تعمل على شرعنة إلغاء الذات تحت مسميات التحرر الزائف.
فبينما يدرك المستلب جسديًا قيوده ويسعى للانعتاق منها، نجد المستلب فكريًا في ظل الماديات المعاصرة قد تنازل طواعية عن أخص خصائص الإنسان: وهي القدرة على التفكير المتجرد والفرز المنطقي السليم.
لقد تحولت مناهج التوجيه الغربي المعاصر من مرحلة قمع الجسد إلى مرحلة استلاب الإرادة، حيث يدفع الفرد دفعًا ليعتقد أن انقياده لشهواته وتخليه عن موازين الأخلاق هو عين الحرية، بينما هو في الحقيقة غارق في العبودية.
إن هؤلاء لا يقيدون يدك، بل يقنعونك بأن اتباع الفطرة قيد، وأن التمسك بالقيم رجعية، حتى يستحيل العقل من أداة للبحث عن الحقيقة إلى جهاز دفاع مستميت عن أهواء تستعبده.
إن ما يحدث في أروقة هذا التوجيه الجمعي هو إحلال كامل للهوية؛ إذ يصبح الفرد مستلبًا تمامًا، يرى بعين المادة، ويحاكم العالم بمعايير اللذة العابرة، ويظن في ذروة انصياعه أن هذا التيه هو منتهى الاستقلال.

التكملة:

إن العبودية تبدأ حين يتوقف الإنسان عن كونه ذاتًا فاعلة تتأمل في ملكوت الله وتستمد يقينها من وحيه، ويستحيل إلى مفعول به يقتات على ما يلقى إليه من فلسفات مادية عقيمة، معتقدًا أن في هذه التبعية نجاة، وفي هذا العمى نورًا.
إن مواجهة هذا الاستلاب لا تكون إلا بالعودة إلى الملاذ الحق، حيث يدعو الدين إلى التأمل والتدبر وإعمال العقل لفك قيود الهوى، وبالإدراك اليقيني بأن القوالب التي تمنع الإنسان من إدراك غايته الوجودية ليست إلا وهمًا مستحدثًا، صيغ ليحمي منظومات نفعية قامت على أنقاض استقلالية الروح والكرامة الإنسانية.