مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الشخصية الزئباقية

د/ إسلام محمد
استشارية الصحه النفسيه والإرشاد الاسري والزواجي ودكتوراه في التنميه البشريه وتطوير الذات وعضوة بمنظمه حقوق الإنسان المصريه وصاحبه كتابي (البحث عن الذات و كتاب طوظ)

تُعدّ الشخصية الزئباقية من أكثر أنماط الشخصيات إرباكًا وتعقيدًا في التعامل الإنساني، فهي شخصية متقلّبة بطبعها، سريعة التبدل، يصعب الإمساك بثباتها أو التنبؤ بردود أفعالها. سُميت بهذا الاسم نسبة إلى الزئبق الذي يتغيّر شكله وحركته بسرعة ولا يمكن تثبيته في موضع واحد، وكذلك صاحب هذه الشخصية الذي لا يستقر على حال ولا يُظهِر نمطًا ثابتًا في سلوكه أو مشاعره أو قراراته.

يميل صاحب الشخصية الزئباقية إلى التغيّر المفاجئ في مواقفه. قد تراه اليوم ودودًا، مرنًا، مبتسمًا، ثم تجده غدًا باردًا، نافد الصبر، أو حتى عدائيًا دون سبب واضح. هذا التقلّب لا يعكس دائمًا نية سيئة، بل يعود غالبًا إلى مشاعر داخلية غير مستقرة، وصعوبة في ضبط الانفعالات، وحاجة مستمرة لجذب الانتباه أو تجديد الشعور بالحماس.

كما يتميّز هذا النوع من الشخصيات بقدرة عالية على التكيف السريع مع المواقف، ما يجعله أحيانًا محبوبًا في البدايات، لأنه يقدم صورة جذابة، مليئة بالحيوية والمرونة. لكنه سرعان ما يُشعر من حوله بالحيرة، لأن وعوده قد لا تكون ثابتة، وعلاقاته تكون في كثير من الأحيان قصيرة المدى، متأثرة بتقلّباته المزاجية والوجدانية.

ومن السمات البارزة أيضًا أنّ الشخصية الزئباقية تميل إلى الهروب من الالتزام. فالثبات والمسؤولية والأطر الواضحة تضايقها وتحدّ من شعورها بالحرية، لذلك قد تتهرّب من الارتباطات الجادة أو مناقشة المشكلات بعمق، مفضّلةً الانتقال السريع من موقف لآخر. وقد يظهر هذا السلوك في العلاقات العاطفية، والعمل، وحتى في الصداقات.

وتنعكس هذه الصفات على علاقاته بالآخرين، فقد يشعر المحيطون به أنهم دائمًا في حالة ترقّب، غير قادرين على فهم ما يريده أو توقع رد فعله المقبل. وهذا يولّد توترًا، ويجعل العلاقة معه تحتاج إلى حدود واضحة، وصبر، وقدرة على الفصل بين تقلباته وبين قيمة الذات.

لكن من المهم التأكيد على أن الشخصية الزئباقية ليست شخصية “سيئة” بالضرورة؛ فهي تمتلك جوانب إيجابية مثل سرعة البديهة، والإبداع، والمرونة، وحيوية الحضور. التحدي الحقيقي يكمن في مساعدتها على تحسين الاستقرار الداخلي، وتنظيم العواطف، وتعلّم تحمل المسؤولية، وبناء علاقات أكثر نضجًا وثباتًا.

وفي النهاية، يبقى التعامل مع هذه الشخصية ممكنًا إذا فهمنا دوافعها، ووضعنا لها حدودًا واضحة، وتعاملنا معها بذكاء عاطفي، مع إدراك أن التغيّر جزء من تكوينها، وأن الاستقرار يحتاج وقتًا وجهدًا، سواء منها أو ممن يحيطون بها.