مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الساحرة

 

بقلم: ندا محمود أبو المجد

 

صوت احتكاك إطارات سيارة بأرض أسفلتيه مبللة بشدة أثر المطر و كمشهد دراماتيكي معتاد يخرج السواق رأسه من النافذة صائحًا بسباب لاذع خوفًا من دهسه لي، ولكني لم التفت له من الأساس فعقلى مشوش قليلًا، عبرت البرك التى خلفتها الأمطار كسائر المارة متقافزًا برشاقة، أتصلت بها فلم تجب وقفت بضع دقائق أسفل بنايتها، نور غرفتها مضاء ولكنها لا تنتظرني خلف النافذة كالعادة.

 

ضغطت على جرس الباب منتظرًا إياها أن تفتح الباب ببطء لأتلصص رأسي عبر زاويته كطفل صغير تجذبني بيدها وتغمرني بدفء متشبثة بملابسي حتى لا تسقط لتخبرني كم أفتقدتني، ولكنها لم تفعل كعادتها.

 

دلفت ثم قدموا لي الحلو ولكنه لم يكن من صنع يدها نادتها أمها تخبرها أني وصلت، دخلت إلى الغرفة مبتسمة لها ونظرت لي بوجه خال من التعابير قائلة: مرحبًا، طالت غيبتك.

لم تخبرني أن أشتقت لك، لم تزجرني أني أتخذت كل ذلك الوقت لأزورها، لم تقل لى أحبك كعادتها، لم تغمرني، لم يخترق شذاها أنفي، سحقًا لها! ماذا تفعل؟ كيف تجرؤ؟ قاطعت أفكارى قائلة: أاعجبتك الحلوى؟

تبًا تود أن تستفزنى ولكن مستحيل أبدًا أن أظهر لها ما تنتظر، رددت بهدوء وأنا أضع شوكة أخرى منه بفمي: أمممم كثيرًا، متأكد أنك لم تصنعي هذا

ابتسمت بإنتصار: إذا أصبحت تميز أكلى؟ لو أعجبك حقًا لما تركت نصفه دون مساس ولم تقرب شفتيك من كوب الماء، أليس هذا من شيمك أن تنهى ما يعجبك بتلذذ ثم تزيل بقاياه بكوب من الماء.

 

ظللنا هكذا لوقت ليس بقصير حتى ثار الدم داخل رأسي قلت ساخطًا: سأخرج لأشعل سيجارة، سحبت هي شال خفيف من جوارها قائلة: أنتظر، لنخرج سويًا فالسماء لازالت ممطرة والمنظر من هنا أفضل من الجلوس.

 

نظرت لها بشئ من التعجب: ألا يزعجك دخان السجائر؟ على الأغلب لم تسمعني، وضعت الشال على رأسها وأنسدل ليغطى كتفيها وأشارت لي بيدها: تفضل، ماذا تنتظر؟

وقفت جواري دون صوت ولفظاظتها وضعت سماعات الأذن وظلت تتمتم بكلمات غريبة أقسم بأنها ليست حبيبتي، ليست تلك طفلتي، وكأنها ساحرة ما.. جامدة المشاعر ولكنها ليست باردة؛ فعندما أمسكت يدها لأديرها نحوى لم تكن أصابعها باردة كالعادة تنتظرني كي أدفئها، كانت دافئة حد الاحتراق، قالت لى وهى تنظر ليدى: يدك باردة كالثلج

سحبت سماعات الأذن: أظن أن تلك الأغنية أو أيًا ما كان يمكن أن ينتظر، لا تفعليها مجددًا، لا ينبغي أن أخبرك بكل صغيرة وكبيرة يا.. زوجتي.

تعمدت أن أذكرها فهي لي يفصلنا أيام عن الزفاف ولكننا عقدنا القران منذ شهور، كنت أفتقدها وهي جواري أفتقد عناقها ويمنعني كبريائي أو غرور عن الطلب.

 

أمسكت بكلتا يداى وظلت تنظر لهما، تتحسسهما ببطء فيرتجف جسدى أثر لمستها الدافئة ولكني لن أظهر لها تأثري، قالت: حينما حدثتني أخر مرة، زجرتني أخبرتني بأنه لا ينبغي لي أن أغضب لأنى لم أرك، لا يحق لي الحزن إن مضي اليوم ولم اتلقى رسالة منك، نهرتني عن فعل ذلك أبدًا.

 

رفعت رأسها رويدًا رويدًا تجاهى ولمعت عيناها بشدة أثر البرق، سقط الوشاح عن رأسها فلم تعرة أى اهتمام واقتربت أكثر نحوى يداعب الهواء شعرها فتتمايل خصلاتها السوداء على حمرة شفتيها ولكنها لا تحرك ساكنًا، وضعت يدها تتحسس وجهي برقة بالغة أذابتي أكثر من هيئتها، تحرك أناملها الدافئة بطريقة أذهبت عقلي، أقتربت منى حتى صفعتني همساتها الحادة وهي تخترق أذني قائلة: إياك أن تنهرني عن حقي بك، إياك أن تظن حبي واشتياقي لك أشبه بزر يمكن تشغيله وإطفاءه متى شئت، لم ترى مني للآن سوى تلك الطفلة الهادئة التى أحبتك، ولكن داخلى يوجد براكين وحمم، توجد ساحرة عاشقة لم ترى منها سوى دفء يديها الأن.

 

حدث كل شئ بلحظة حتة بدى وكأنه ومضات من أحلام سريعة…

يدها تتحسس رقبتي، ينهمر المطر، ترسو خلف أذني وتسكن، شفتاي المتجمدة تحترق كالجحيم، قبلتها هدمت غروري.

ضممتها أكثر لأتأكد بأني لست أحلم، ضممتها حتى كادت أضلاعها تتهشم بين يدي، سقط هاتفها وأنفصلت عنه سماعات الأذن، صدحت كلمات الأغنية التى كانت ترددها، تلك التعويذة التى حولت حلوتي، طفلتى البريئة

” تتاغ اربى ذناش اتغيوين..

آه ياالهي لو يكون من نصيبي

تتاغ ربي نشاز اتغوين..

جمال حبيبي شعاع يؤلم عيني

إيرا كيغ أذريغ، مشا روخ أذهويغ..

من أجلك أرزع المكان ذهابًا وإيابًا

زين أنم أذيوسين تمسي..

أذيوسين تمسى..

_تلفحني نيران جمالك، نيران جمالك”