مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الحلوي بقلم صافيناز عمر 

” الحلوي ”

ك / صافيناز عمر

 

 

الحلويات ليست مجرّد أطعمةٍ تُؤكَل، بل هي حالة شعورية كاملة، طقسٌ إنسانيّ دافئ يبدأ من القلب قبل أن يمرّ عبر اليدين، وينتهي بابتسامةٍ صادقة لا تحتاج إلى تفسير. هي ذلك التفصيل الصغير الذي يملك قدرة عجيبة على ترميم المزاج، وتهدئة الروح، وإعادة ترتيب الفوضى الخفيّة التي تتراكم في داخل الإنسان مع عناء الأيام.

صناعة الحلويات فعلُ حبٍّ صامت. حين يقف الإنسان في مطبخه، ويبدأ في وزن المكونات، وخلط السكر بالدقيق، وتقليب الزبدة والبيض، فهو لا يُحضّر وصفةً فحسب، بل يمنح نفسه فرصة نادرة للهدوء. في تلك اللحظات، يتباطأ الوقت، ويخفّ ضجيج العالم، وتصبح الحركة المتكررة نوعًا من التأمل. كأن الروح تُعجن مع العجين، وتُصفّى مع كل تقليب، وتستريح قليلًا وهي تراقب الخليط وهو يتحوّل من عناصر متفرّقة إلى كيانٍ واحد متماسك.

من يصنع الحلويات يشعر بلذّة الإنجاز قبل أن يتذوّقها أحد. هناك فرح خفيّ في انتظار الكعكة داخل الفرن، وفي مراقبة وجهها وهي ترتفع ببطء، وفي تلك الرائحة التي تملأ المكان وتُشعر صاحبها بأن شيئًا جميلًا على وشك أن يُولد. هي لحظة انتصار صغيرة، تقول لصاحبها: ما زلتَ قادرًا على صنع الجمال، ولو كان في قالب حلوى.

أما الذي يأكل الحلويات، فيدخل عالمًا آخر. أوّل لقمة ليست طعمًا فقط، بل إحساسٌ بالاحتواء. السكر يصل إلى الدماغ سريعًا، لكن الأثر الحقيقي يصل إلى القلب. يتبدّد التعب قليلًا، ويخفّ ثِقَل التفكير، وتلين قسوة اليوم. كأن الحلوى تهمس للروح: تمهّل، لستَ مطالبًا بالقسوة طوال الوقت، ويجوز لك أن تفرح بلا سببٍ كبير.

الحلويات قادرة على استدعاء الذكريات بمهارةٍ مذهلة. قطعة كعك قد تعيدك إلى بيت الطفولة، إلى مائدةٍ قديمة، إلى يد أمٍّ كانت تُزيّن الصينية بحب، أو جدّةٍ كانت تعتبر الحلوى لغة التعبير الأولى عن الاهتمام. هي طعمٌ محمّل بالماضي، يحمل معه دفء البيوت، وضحكات اللمّات، وأصوات الأحاديث البسيطة التي لا تُنسى.

ولا عجب أن تكون الحلويات حاضرة في كل المناسبات السعيدة. فهي تُقدَّم في الأفراح، وتُهدى في الزيارات، وتُرسل تعبيرًا عن الامتنان أو الاعتذار أو الاشتياق. قطعة حلوى قادرة على أن تقول ما تعجز عنه الكلمات أحيانًا. تقول: أنا أتذكّرك، أنا أقدّرك، أنا أريد أن أُسعدك ولو للحظة.

الجميل في الحلويات أنها تمنح السعادة للطرفين معًا؛ من يصنعها ومن يتذوّقها. صانعها يشعر بالرضا لأنه أعطى، والآكل يشعر بالامتنان لأنه أُعطي. وبين العطاء والتلقّي، تولد مشاعر صادقة لا يشوبها تكلّف. هي سعادة بسيطة، لكنها حقيقية، لا تحتاج إلى مظاهر كبيرة أو أسباب معقّدة.

الحلويات أيضًا تذكير لطيف بأن الحياة، مهما اشتدّت، ما زالت تحتفظ بمساحات للمتعة. هي استراحة قصيرة من صرامة الواقع، وفسحة حلوة وسط مسؤوليات لا تنتهي. قد لا تحلّ المشكلات، لكنها تمنحنا القوة النفسية لنكمل، وتُذكّرنا بأن الفرح ليس دائمًا في الأحداث العظيمة، بل أحيانًا في قطعة كعك، أو ملعقة حلوى، أو كوب شايٍ يُرافق طعمًا سكّريًا دافئًا.

في النهاية، الحلويات ليست إسرافًا في السكر بقدر ما هي كرمٌ في المشاعر. هي رسالة غير مكتوبة تقول إن الإنسان يستحق لحظاتٍ من الدلال، وإن القلب يحتاج، من حين لآخر، إلى طعمٍ حلو يذكّره بأن الدنيا، رغم كل شيء، ما زال فيها ما يُحبّ.