بقلم / خالد محمد شعبان
حين يشرع المرء في إجراء مقابلة عمل فإنه يبذل غاية وسعه للظهور في أبهى صورة ممكنة؛ يبتغي رسم انطباع إيجابي يرسخ صورة ذهنية متميزة عن مهاراته وإمكاناته، لكنه في غمرة الحماس والاستعداد، قد يغفل عن الثمن الباهظ الذي سيضطر لدفعه لاحقاً لقاء تلك الصورة المثالية التي صاغها بنفسه.
سحر التحول من الانطباع السلبي إلى الصداقة
كثيراً ما يتعرض الأفراد في بيئاتهم الأولى كالمدرسة لنوع من التنميط أو التنمر بناءً على انطباعات ظاهرية، غير أن هذه الانطباعات السلبية قد تحمل في طياتها فرصة خفية للتغيير الجذري، فعلى سبيل المثال، قد يُنظر إلى الشخص المنزوي أو الصموت في بيئة معينة على أنه ضعيف أو فاقد للحيوية، وهي نظرة غالباً ما تنبع من عدم ارتياح الفرد لتلك البيئة وليس من حقيقة شخصيته.
وعندما تتغير الظروف ويظهر هذا الشخص في بيئة يشعر فيها بالأمان والراحة، يتفاجأ الآخرون بشخصية مغايرة تماماً حيوية ومرحة إن سر الدهشة هنا يكمن في “فجوة التوقعات”؛ فالانطباع السلبي الأول جعل أي بادرة إيجابية تبدو كإنجاز مبهر، ولو كان الانطباع الأول مثالياً منذ البداية لما أحدث هذا التحول أي أثر ولربما ظلت العلاقات فاترة أو عادية.
معضلة الادعاء حين يغدو المصلح مفسداً
في المقابل تبرز خطورة الانطباع الإيجابي المبالغ فيه عند محاولة اقتحام مجالات مهنية جديدة دون استعداد كافٍ، حيث إن محاولة إقناع المحيطين بالاحترافية والتمكن قبل امتلاك الأدوات الحقيقية تخلق سقفاً مرتفعاً من التوقعات.
وعندما يصطدم الادعاء بالواقع العملي وتظهر الفجوة بين النظريات والتطبيق، تتحول تلك الوعود بالتميز إلى خيبات أمل متلاحقة إذ إن القرار بالتراجع عن مجال ما قد يأتي متأخراً جداً، بعد أن يكون الشخص قد استنزف رصيده من الثقة وتحول الانطباع الإيجابي الأولي إلى عبء ثقيل يتجسد في نظرات التوبيخ والمواقف المحرجة.
صراع البدايات والنهايات
تتجلى معضلة الانطباع الجيد في أن المرء يستميت لإقناع الآخرين بمواهبه حتى يظنوا أنه بلغ القمة، بينما هو في الحقيقة لا يزال في أول الطريق وهنا يكمن الفارق الجوهري فبالنسبة للشخص يمثل إقناع الآخرين “خط النهاية” لجهده في التسويق لذاته، أما بالنسبة للآخرين فإن هذا الإقناع هو “خط البداية” الذي ينتظرون منه الانطلاق من عنده.
ضريبة الثمن وفارق النتائج
يبرز الفارق بين أثر الانطباعين الإيجابي والسلبي في طريقة تعامل المجتمع مع الإخفاق والنجاح:
يُطالب الشخص ببلوغ ما ادعى القدرة عليه دون دعم بل ويُنتظر منه التفوق الدائم، فإذا أخطأ كان حسابه عسيراً؛ لأنه وفقاً للصورة التي رسمها “غير مسموح له بالخطأ”.
أما حين يقطع المحيطون الأمل في شخص ما فإن أي جهد بسيط يبذله يُقابل بالاحتفاء والدعم، وحين يفاجئهم بإنجاز عادي يُعد في أعينهم إنجازاً أسطورياً؛ لأن سقف توقعاتهم كان في أدنى مستوياته.
ميزان التوقعات
إن التوقع الإيجابي يبني صورة حسنة لكن العجز عن سداد ضريبتها الباهظة يحولها من حافز إلى حجة، حيث يُطالب الفرد بلا رحمة بتحقيق ما ادعاه أو الانسحاب، أما التوقع السلبي فرغم مرارته الأولية، إلا أن أي شرارة تميز تمنح الفرد قوة دفع مضاعفة؛ لأنه يكون قد دفع ثمن تميزه الجديد مسبقاً من خلال تحمله لنظرات الازدراء السابقة.
إن الانطباعات والتوقعات ليست مجرد مشاعر عابرة، بل هي التزامات ضمنية يجب التعامل معها بحذر، ويجب إدراك ثمن الوعود قبل قطعها فالانطباع الجيد ليس مكسباً إذا كان مبنياً على زيف، والانطباع السيئ ليس خسارة دائمة إذا كان وقوداً لإثبات الذات وتحقيق المفاجأة.






المزيد
مرحباً … أنا هنا، هذا الكوكب عليه حياة
عقلية الفنان
تأثير الضغوط الاجتماعية على صحة المرأة