كم هو مؤلم أن تُطعِم جائعًا، فإذا شبع عضّ يدك، وأن تُنقذ غريقًا، فإذا نجا حاول إغراقك! تلك هي مرارة الإحسان حين يُقابَل بالجحود. “اتقِ شرّ من أحسنتَ إليه” ليست مقولة عابرة، بل تجربة حيّة تتكرّر في واقعنا كل يوم، وتكشف عن حقيقة مؤسفة في بعض البشر الذين لا يُقابلون المعروف بالعرفان، بل بالحقد والخيانة.
في زمنٍ اختلّت فيه القيم، بات البعض يرى الإحسان ضعفًا، والطيبة سذاجة، والتسامح هوانًا. فإذا عاملتهم بكرم، ظنّوا أنك تُخفي مصلحة، وإن وقفت إلى جانبهم، حسبوا أنك تبتغي مقابلًا. ثم إذا انتهى عطاءك، انقلبوا عليك، وتحوّلوا إلى أعداء لا يعرفون لك فضلًا، ولا يذكرون لك موقفًا.
والمؤلم في الأمر أن الخذلان لا يأتي من غريب، بل من أولئك الذين فتحت لهم قلبك وبيتك، وشاركتهم قوتك ووقتك. فجاء جزاؤك طعنًا في الظهر، وتشويهًا لصورتك، وربما خيانة تكسرك من حيث لا تتوقع.
لكن، وعلى الرغم من كل ذلك، لا تدع شرّ المسيئين يمنعك من فعل الخير، بل كُن محسنًا بعقل، وطيبًا بحذر. لا تندم على إحسانك، لكن تعلّم لمن تعطي، ومتى تُعطي، وكيف تحفظ كرامتك وحدودك.
الإحسان لا يعني أن تُسلم رقبتك لمن لا يرحم، ولا أن تمنح ثقتك لمن لا يعرف قيمتها. فخيرُ الإحسان ما كان خالصًا لله، محفوظًا بالوعي، بعيدًا عن التنازل المُهين. افعل الخير، وامضِ، لكن لا تنسَ أن تتّقي شرّ من أحسنت إليه، فإنك لا تعلم ما تُخفيه القلوب.






المزيد
كتاب قيد النشر بقلم سميرة السوهاجى
لست أنا بقلم سها مراد
ما زلت طفلة بقلم الكاتبة: دلال أحمد