مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أوراقٌ تتنفّس تحت الرماد بقلم مريم جمال  

في أعماقِ مكتبتي العتيقة، حيثُ يسكنُ الصمتُ كحارسٍ أمين للذكريات، تقبعُ تلك الأوراقُ التي كتبتُها بدمِ القلبِ ذاتَ مساء. صارتْ صفحاتُها الصفراءُ تشبهُ وجهَ عجوزٍ يحملُ كلَّ أسرارِ العالمِ في تجاعيده. كلما مررتُ بها، اهتزّتْ كأنها تستجدي نظرةً من عينٍ تذكرُها.

اليومَ، وبينما كان القمرُ يتسللُ من النافذةِ كسارقٍ خجول، جلستُ أمامها كمن يجلسُ أمام مرآةِ الزمن. أصابعي تراقصُ على السطورِ الباهتة، فإذا بالحروفِ تنبضُ تحتَ أناملي كقلبٍ مكبوت. رسائلُ من ذاتي القديمةِ تخرجُ من بين الطيات، كلُّ كلمةٍ فيها كالدخانِ يتصاعدُ ليُذكّرني بنارٍ ما زالتْ تحتَ الرماد.

عندَ الصفحةِ الثالثة، حيثُ يكمنُ أكثرُ ما أخفيهِ عمقاً، وجدتُ جملةً مبتورةً كحلمٍ لم يكتمل: “لو عُدنا إلى البداية…”. بقيتُ أتأملُ الفراغَ الذي تركتهُ بعدها، كأنني أتأملُ قبراً لحظةٍ كان يمكنُ أن تُغيّرَ كلَّ شيء. لماذا لم أكملُها؟ هل خفتُ من السطورِ أم من نفسي؟

المصباحُ الخافتُ كان يُصارعُ الظلامَ في زوايا الغرفة، بينما أنا أصارعُ ذكرياتي. سقوطُ ورقةٍ مفاجئٌ جعلني أرتجفُ كطفلٍ يُفاجأ بزوالِ الوهم.

، تقبعُ تلك الأوراقُ . كلُّ ورقةٍ منها تُشبهُ جناحَ فراشةٍ مُحطّم، يحملُ في ثناياه ذكرى لم تُدفن بعد.

جلستُ كالطبيبِ الشرعيِّ أُشَرِّحُ السطورَ الباهتة، فإذا بالكلماتِ تنزفُ أسئلةً لم تُجب، وأحلاماً لم تُولد. وقفتُ عند الأوراق وذكرياتها كواقفٍ على حافةِ جسر، يترددُ بينَ القفزِ أو العودة. ذلكَ الفراغُ بعدَها كانَ أشبهَ بصمتِ القبور، يُخبئُ تحتَ ترابِه كلَّ ما لم نجرؤ على قوله.

المصباحُ الخافتُ يُذكّرني بنجمٍ يحتضر، يُرسلُ ومضاتِه الأخيرةَ قبلَ أن يغرقَ في بحرِ النسيان. بينما أنا هنا، أُقلّبُ الصفحاتِ بأصابعَ ترتعشُ كأوراقِ الخريف، أكتشفُ أن الزمنَ لم يمحُ شيئاً، فقط دفنَ الحقائقَ تحتَ طبقاتٍ من الغبار.

اليومَ أعرفُ أن الأوراقَ لم تكنْ أبداً مجردَ كلمات، بل كانتْ مرايا تعكسُ أجزاءً منّا لم نعدْ نعرفُ كيف نُشاهدها. ربما يأتي يومٌ نجدُ فيهِ الشجاعةَ لقراءتها بصوتٍ عال، فَنسمعَ أخيراً صدى أنفسنا الحقيقية.

بعضُ الكلماتِ لا تكتملُ إلا عندما نُدركُ أن السكوتَ عنها كانَ أكبرَ أخطائنا.