مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أنين هزيل، نوتة موسيقية جديدة

Img 20250503 Wa0192

كتبت: ريم رمضان السلوت

 

استيقظ فجرًا، لكن الدُوار كان أقوى منه.

كذلك آلام المفاصل جعلت جسده الهزيل متثاقلًا، لم يقوَ على القيام.

هكذا كل فجر، يستغرق ما لا يقل عن خمس، أو لربما عشر دقائق، ليستفيق مؤديًا فرضه، مرددًا أذكاره.

 

ثم تبدأ عصافير معدته تُشقشق، ولا يملك سبيلًا لإسكاتها.

يجول في زوايا المنزل باحثًا عن بقايا أو فُتات خبز…

ثم يصمت متأملًا:

“من أين آتي بالفتات وأنا لم أقتات شيئًا بالأمس؟!”

 

يذهب يمنة ويسرة،

يجول بين جدران المنزل المتهالكة،

ظنًا منه أنه يخدع شقشقة العصافير،

لكنه لا يعلم…

كلما طال الوقت دون إسكاتها، يزداد ضجرها،

فتبدأ بالتهام معدته، مما يزيد من ألمه.

 

يعود إلى الأواني الفارغة، باحثًا عن شيء يُؤكل.

لكنه يعلم في قرارة نفسه أنه لا شيء،

ومع ذلك، هناك ألم يُرغمه على البحث عن ما يسد رمقه، ولو بالقليل.

ينتقل إلى الحقائب، يبحث في الخزانة، على الرفوف، في كل مكان،

كمن يدور في دوامة مُحكمة، تقوده إلى اللاشيء.

 

يفتح المذياع، لكنه كالمعتاد يُذيع أخبار القصف والقتل والدمار،

ولا يحمل شيئًا من أمل بفتح المعابر أو إدخال كسرة خبز.

“على ماذا يفاوضون؟

على وجعي؟

أم على جوعي؟

على جسدي الهزيل؟

أم على عظامي المتآكلة؟

لا طاقة لي بسماع الأخبار.

الدوار فاق الحدّ، ولا أرى شيئًا بوضوح.

كيف لقدميّ أن تحملاني بعد الآن؟!”

 

أخذ كوبًا من الماء، ثم خرج متحديًا ضعفه وهزال جسده،

متناسيًا أرقه، ليتناسى جوعه.

 

التقى بصديقه مصادفة،

تصافحت يداهما النحيلتان بعدما تلاقت الوجوه الشاحبة.

علم أنه خرج هو الآخر ليخدع عصافيره ويُخمد جوعه.

 

جلسا معًا،

فلا طاقة للمشي قدمًا.

أصوات معدتيهما تتعالى، كما يتعالى طنين الطائرات في الأرجاء.

 

لا جدوى من الحديث.

فكرامة الإنسان تُهدر،

ودم يُراق،

ومرضى على الأسرّة لا تجد علاجًا،

وأمعاء تتضور جوعًا في شتى زُقاق الحي، بل المدينة بأكملها.

 

نوتة موسيقية جديدة تُضاف إلى معزوفة الحرب:

أنين الأمعاء الخاوية.

 

يستمران في جلوسهما،

فالحياة توقفت.

توقفت عن كل شيء… إلا الموت:

شهيدًا،

مريضًا،

جائعًا…

 

تتعدد الأسباب، والقاتل واحد،

في مشهد طويل لمدينة مُحاصرة بالكامل،

يحصد أكبر عدد من المشاهدين الصامتين،

الذين يتظاهرون بأنهم صُم،

بينما يشاهدون فيلمًا

يحمل في طياته أقوى معزوفة من الصرخات المتتالية.